الزمن وأنا والأصدقاء والوطن![]() |
| الزمن وأنا والأصدقاء والوطن |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب د.حسين الانصاري |
| النـص : العمر ليس عددا من السنوات نعلقها على جدار الذاكرة، بل هو ملف كبير تتراكم فيه الصفحات البيضاء والسوداء والملونة، حتى يغدو في نهايته كتابا لا يملكه صاحبه إلا بقدر ما يتذكر منه. في هذا الملف تسكن وجوه الأصدقاء، ومراحل الدراسة والعمل والسفر وأحاديث السهر الطويلة، وضحكات اللقاءات التي حسبناها أبدية، ثم اكتشفنا أنها كانت لحظات عابرة في رحلة الزمن. نمضي في الحياة كمسافرين يحمل كل منا حقيبة مليئة بالأمنيات والخيبات. نبحث عن الإنجاز الإبداعي، ونركض خلف النجاح، ونتنافس على المجد والمكانة، وكأننا قادرون على انتزاع الخلود من يد الزمن. غير أن الزمن، في حياده القاسي، لا يمنح أحدا امتياز البقاء. إنه يمر فوق الجميع بالسرعة نفسها، فيحول الحاضر إلى ماض، والوجوه إلى صور، والأصوات إلى صدى بعيد. لكن الأصدقاء في رحلة الحياة هم المحطات المضيئة في جغرافية العمر. بعضهم يرافقنا طويلا، وبعضهم يمر مثل غيمة صيف، لكنه يترك في الروح أثرا لا تمحوه السنوات. إن متعة اللقاء والحديث ليست في الكلمات نفسها، بل في شعورنا المؤقت بأننا انتصرنا على الوحدة وعلى فناء اللحظة. غير أن الأقدار تمارس حكمتها الخاصة، فتفرق الجمع وتعيد كل إنسان إلى غربته عن الوطن الذي لا نستطيع استعادته كما نريد ان يكون . لكننا نراجعه باستمرار، نعيد ترتيب أحداثه، نمنح أنفسنا أدوار البطولة تارة وأخرى نشعر بالهزيمة والخذلان ،نحاول أن نصحح أخطاءه في الخيال، لكن الماضي لا يتغير. إنه مغلق مثل كتاب انتهى تأليفه، وكل ما نملكه حياله هو الذكرى ،والذكرى، مهما كانت جميلة، ليست سوى صورة باهتة لشيء رحل. والحاضر، الذي نظنه ملكنا، ليس إلا لحظة هاربة بين ماضٍ انتهى ومستقبل لم يأتِ بعد. نحن نعيش دائما على حافة الغياب. نبني، ونكتب، ونبدع، ونتنافس، ونخطط للغد، بينما يواصل الزمن عمله الصامت في تفكيك كل ما نبنيه ،أما القادم، فهو أكثر الأشياء غموضًا وإغراء. نسميه أملا حين نحتاج إلى الاستمرار، ونسميه حلما حين نعجز عن الإمساك به. ولولا هذا الأمل لما احتمل الإنسان عبء المعرفة بأن نهايته محتومة. إن الأمل هو خدعة جميلة ابتكرها الوجود لكي يواصل الإنسان السير نحو مصيره وهو يعتقد أن الطريق ما زالت طويلة. وفي لحظات المراجعة، حين يهدأ ضجيج الأيام، يدرك الإنسان أن كثيرا من معاركه كانت صغيرة، بل تافهه ،وأن جانبا كبيرا من تنافسه كان بحثا عن مجد زائف. . فما قيمة المناصب والألقاب والأمجاد حين يصبح أصحابها أسماء منقوشة على حجر أو صورا معلقة على جدار؟ إن النهاية الكبرى تسوي بين الجميع؛ بين من عاش مجهولا ومن عاش محاطا بالتصفيق. وصوره تملىء الشاشات قبلنا بحث جلجامش عن الخلود، وسبقه ولحقه ملايين البشر، لكن أحدا لم يعد من رحلته وفي يده سر البقاء. فالإنسان، منذ ولادته، يسير بخطوات واثقة نحو الغياب المفاجئ الذي نسميه الموت. والمفارقة العجيبة أنه يعرف هذه الحقيقة تمام المعرفة، ومع ذلك يصر على الحب، وعلى الإبداع، وعلى تكوين الصداقات، وعلى الحلم. ولعل الحكمة ليست في أن نهزم الموت، فذلك مستحيل، بل في أن نمنح أيامنا معنى قبل أن تصبح كلها ماضيا. فالإنسان لا يقاس بطول بقائه في الأمكنة، بل بعمق حضوره في القلوب. بعض الناس يرحلون فتظل كلماتهم ومواقفهم ودفء أرواحهم حية في ذاكرة الآخرين، لأنهم منحوا للحياة معنى يتجاوز ذواتهم. وآخرون يغادرون فلا يبقى منهم أثرا ، لأنهم مروا بالأماكن دون أن يتركوا في النفوس نورا أو في الأرواح صدى. فالخلود الإنساني ليس هبة الزمن، بل ثمرة الأثر الطيب الذي يزرعه الإنسان في حياة من يلقاهم. |
| المشـاهدات 17 تاريخ الإضافـة 26/06/2026 رقم المحتوى 71659 |
توقيـت بغداد









