ليس الخبر كالمعاينة
![]() |
| ليس الخبر كالمعاينة |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب أ.د. صدام العبيدي |
| النـص :
أصل هذا المثل حديث للنبي عليه الصلام والسلام قاله ثم ذكر حادثة نبي الله موسى عليه السلام حينما ذهب لميعاد ربه، فعبد قومه العجل بعد ذهابه فأخبره الله تعالى بما صنع قومه وكانت في يده الألواح فلم يلقها لكن عندما رجع إلى قومه وعاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت، فمع أنه الله قد أخبره بما صنع قومه لكن لم يؤثر فيه سماع الخبر كما أثر فيه رؤيته له، فالسماع عن الشيء ليست كرؤيته، وهذا ما صوره لنا القرآن الكريم في قوله تعالى: "ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح...". (الأعراف: 150). مناسبة استحضار هذه الحادثة وما تتضمنه من مثل وحكم أن جميع العراقيين يعرفون بالفساد ولديهم نوعاً ما من التصور عنه وما بلغ من مستويات لكن الكل مصدوم بعد رؤية الملايين والمليارات من الدولارات والدنانير وسبائك الذهبية والمصوغات التي تم اخفائها في التبن والجدران والحفر والقوارير المدفونة وغيرها من أماكن إخفاء الأموال البدائية التي تم الكشف عنها وقد تظهر لنا في الأيام القادمة أماكن أخرى لم يكشف عنها بعد، فتحقق اليوم في الواقع مثل: ليس الخبر كالمعاينة لهذا ترى الناس في ذهول وفي صدمة مما رأوا بأعينهم من صور ومقاطع للأموال والذهب المخبئ والتي نشرتها القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، فهذه الصور والمقاطع كأنها قد أيقظت الناس من سبات كانوا غارقين فيه، وأثارت موجة جديدة من الاستياء والغضب الشعبي ومشاعر الحنق والنقمة ضد الفساد والفاسدين وكل من كان سبباً لما وصل إليه البلد من واقع مزري حيث يعاني الكثير من أفراد الشعب العراقي من بطالة وعوز وحاجة فيقبع بسبب ذلك تحت خط الفقر الملايين منهم، فضلاً عن تردي الواقع الصحي والتعليمي والخدمي، ففي الوقت الذي يأكل البعض من القمامة، ويموت البعض أو يتألم لأنه لا يملك ثمن دواء يعالج مرضه ويخفف عنه آلامه؛ لأن المستشفيات الحكومية خاوية لا تجد فيها العلاجات والأدوية إلا الشيء اليسير جدا منها ولا نكون قد تجنينا على المستشفيات الحكومية إذا قلنا في كثير من الأحيان لا تجد فيها إلا باراسيتول من انتاج مصنع أدوية سامراء!، فليس كل الناس تملك أموالاً تستطيع بها أن تتعالج في المستشفيات والعيادات الخاصة. ومع هذا الواقع المزري والوضع البائس لا يعرف الفاسدون أين يضعون الأموال التي سرقوها من المال العام على حساب كرامة العراقي وحرمانه من أبسط حقوقه، وعلى حساب فقر الفقير وبؤسه وتقتيره ومعاناته في بلد يطفوا على بحر من النفط. إن الانصاف مطلوب حتى في السرقة ففي المثل الشعبي الشائع عند العراقيين: الياكل ويا العميان ياكل بإنصاف. فقد كان الناس فيما مضى أصحاب مبادئ وقيم حتى عند السراق منهم، فعندما حضرت الوفاة شيخ والسراق واللصوص وأشهرهم في العصر العباسي أدهم بن عسقلة كتب وصية لأتباعه من اللصوص وهو على فراش الموت قائلاً: "أيها الأحبة لا تسرقوا جاراً ولا امرأة ولا نبيلاً ولا فقيراً وإذا سرقتم بيت أحد فاسرقوا نصفه واتركوا له النصف الآخر ليعتاش عليه مع أهله، ولا تكونوا قتلة ولا ظلمة ولا أنذالاً!! إلا أن السراق في زماننا ممن يرتدون البدلات الأنيقة والماركات العالمية ويلبسون الساعات الغالية ويركبون السيارات الفارهة ويسكنون القصور الفخمة والذين جاء بهم نظام المحاصصة اللعين لم يلتزموا بوصية سيدهم أدهم بن عسقلة فأكلوا الأخضر واليابس، ولم يتركوا شيء وشعارهم الاستمرار بالسرقة حتى أخر دينار في خزينة الدولة. ومع أننا كنا نسمع عن سرقاتهم وفسادهم ونهبهم للمال العام وشراهتهم في ذلك لكن لم يحرك السماع فينا مشاعر الغضب والازدراء والاحتقار والحنق والنقمة على سراق المال العام كما أثرت فينا رؤية صور الذهب والملايين والمليارات المسروقة وطرق إخفائها، فصدق نبينا عليه الصلاة والسلام حينما قال ليس الخبر كالمعاينة.
|
| المشـاهدات 49 تاريخ الإضافـة 05/07/2026 رقم المحتوى 71954 |
توقيـت بغداد









