الأربعاء 2026/7/8 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 40.95 مئويـة
نيوز بار
لماذا لايحاسب القضاء العراقي اصحاب الاعترافات التلفزيونية بالفساد ؟
لماذا لايحاسب القضاء العراقي اصحاب الاعترافات التلفزيونية بالفساد ؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أ.د.عبدالرزاق محمد الدليمي
النـص :

هذا التساؤل يطرحه الشارع العراقي باستمرار ...؟!وهو يمس واحدة من أعقد الإشكاليات في المنظومة السياسية والقانونية في العراق بعد احتلاله عام 2003. فبينما يرى المواطن ان مايراه على شاشات التلفزيون هي اعترافات علنية لسياسيين في برامج تلفزيونية أو تصريحات صحفية بوجود فساد أو مساومات وعمولات والتدخل بقرارات القضاء !!! يبدو التحرك القضائي أحياناً غائباً أو بطيئاً مقارنة بدول أخرى كأمريكا الراعية للنظام والمحتلة للعراق ؟!وبتفكيك هذا المشهد بعيداً عن العواطف تعتقد ان هناك عدة أسباب قانونية وسياسية وهيكلية بنيوية تفسر هذا الواقع:أولاً :الإطار القانوني: الاعتراف الإعلامي بالقضاء العراقي يبدو انه لا يعتمد كاعترافاً قضائياً !!! فمن الناحية القانونية الصرفة هناك فرق شاسع بين تصريح سياسي على شاشة التلفزيون  وبين الاعتراف أمام قاضي التحقيق وواضح انه لحد الان لايوجد مثل هذا القاضي الذي يلزم المعترف تلفزيونياً بالاعتراف امامه؟! وكما يبدو ان هناك شروط للاعتراف القانوني في القانون العراقي (وحتى في دول اخرى العالمي) حيث يجب أن يكون الاعتراف صريحاً ومطابقاً للواقع وأمام جهة قضائية مختصة وأن يعزز بأدلة أخرى. ثانياً : المناورة السياسية: أغلب السياسيين عندما يتحدثون عن الفساد والجرائم الأخرى بصيغة العموم (الجميع يسرق وهناك محاصصة في العقود) أو يلقون باللوم على أطراف أخرى دون تقديم وثائق وإثباتات. القانون لا يمكنه إدانة شخص بناءً على مايعتبرها ؟! خصومة سياسية أو استعراض إعلامي دون وجود ملف متكامل.ثالثاً: طبيعة النظام السياسي (المحاصصة والتوافق) معروف ان العراق يدار بنظام  التوافقية والمحاصصة الحزبية. هذا النظام يخلق نوعاً من توازن الرعب أو التخادم المتبادل بين الكتل السياسية من خلال:١.التغطية المتبادلة:هناك قاعدة غير مكتوبة مفادها إذا فتحتَ ملفي سأفتح ملفك لذلك تصبح الاعترافات التلفزيونية أحياناً بمثابة رسائل تهديد أو ابتزاز سياسي بين الخصوم لتحقيق مكاسب معينة وليس لغرض تحقيق العدالة.2.التدليس والتسويات:ما وصفته بالتدليس هو في الواقع تسويات سياسية خلف الكواليس. (وهذا ما نراه اليوم في عمليات التحقيق )في كثير من الأحيان يتم إغلاق ملف أو التغاضي عن تصريح مقابل تمرير قانون أو تشكيل حكومة أو تقاسم مناصب.رابعاً: استقلالية القضاء والضغوط السياسية رغم أن الدستور العراقي ينص على استقلال القضاء إلا أن الواقع العملي يظهر أن القضاء يواجه تحديات هائلة منها: 1.الضغط والترهيب:الأحزاب السياسية في العراق تمتلك أجنحة مسلحة ونفوذاً مالياً وإعلامياً هائلاً. أي قاضٍ يحاول فتح ملفات فساد كبرى ضد رؤوس سياسية نافذة قد يواجه تصفية جسدية أو نقلاً تأديبياً أو ضغطاً سياسياً يعزل من خلاله.2.التسييس:في اغلب الأحيان تُتهم بعض التحركات القضائية بأنها انتقائية أو تُستخدم لتصفية الحسابات السياسية ضد أطراف ضعيفة أو خرجت عن التوافق العام بينما يُحمى الآخرون بفضل نفوذهم.خامساً: المقارنة بالنظام الأمريكي (أين الخلل؟) أشرتَ أعلاه إلى أن القضاء في أمريكا يأخذ بالإجراءات بشكل أسرع. الفرق هنا يكمن في:1. قوة المؤسسات:في أمريكا هناك مؤسسات مثل الـ (FBI) أو الادعاء العام تمتلك استقلالية مالية وإدارية وحماية قانونية تجعلها قادرة على التحقيق مع رئيس البلاد نفسه. 2. صفقات الادعاء في النظام الأمريكي مثلاً يُسمح قانوناً للمتهم بالاعتراف مقابل تخفيف العقوبة بشرط تقديم أدلة تدين رؤوساً أكبر. في العراق هذه الآلية معقدة وغالباً ما تخضع للمساومات السياسية لا القانونية كما يحدث الان؟!واضح ان المشكلة في العراق ليست في النص القانوني الذي يقول إن الاعتراف سيد الأدلة ! بل في أن هذه الاعترافات الإعلامية هي أدوات صراع سياسي وليست أدلة قضائية. وطالما أن السلاح والمال والنفوذ يتفوق في أحيان كثيرة على سلطة القانون فإن القضاء يجد نفسه مكبلاً بموازين قوى تمنعه من محاسبة حيتان الفساد بناءً على تصريح تلفزيوني.

المشـاهدات 47   تاريخ الإضافـة 07/07/2026   رقم المحتوى 72036
أضف تقييـم