الحرب على الفساد... هل بدأ العراق يكسر الخطوط الحمراء أم أنها جولة جديدة؟
![]() |
| الحرب على الفساد... هل بدأ العراق يكسر الخطوط الحمراء أم أنها جولة جديدة؟ |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب نوري حمدان |
| النـص :
منذ عام 2003، لم يغب شعار مكافحة الفساد عن الخطاب السياسي في العراق. فكل حكومة تعلن أن محاربة الفساد ستكون على رأس أولوياتها، وكل مرحلة تشهد تشكيل لجان وفتح ملفات وإطلاق وعود باستعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة المتورطين. ومع ذلك، ظل العراق يتراجع في مؤشرات الشفافية، فيما ترسخت قناعة لدى شريحة واسعة من المواطنين بأن الفساد لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح جزءاً من بنية النظام الإداري والسياسي.الحملة الأخيرة أعادت هذا الملف إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي، لكنها أثارت في الوقت نفسه سؤالاً أكثر أهمية من تفاصيل المداهمات والاعتقالات: هل نشهد تحولاً حقيقياً في طريقة تعامل الدولة مع الفساد، أم أننا أمام جولة جديدة ستنتهي كما انتهت سابقاتها؟
عندما تصبح الأسماء الكبيرة تحت المساءلة
اللافت في الحملة الحالية أنها لم تقتصر على موظفين صغار أو مسؤولين من الدرجات الدنيا، بل ارتبطت بأسماء وشخصيات تمتلك حضوراً سياسياً وإعلامياً، وهو ما أعاد الحديث عن إمكانية كسر ما كان يُعرف بـ"الخطوط الحمراء" في ملفات الفساد.هذا التطور يمنح الحملة زخماً شعبياً، لأن الرأي العام العراقي طالما انتقد اقتصار المحاسبة على الحلقة الأضعف، بينما تبقى الشخصيات النافذة بمنأى عن المساءلة. غير أن مجرد استهداف أسماء معروفة لا يكفي للحكم على نجاح الحملة، فالمعيار الحقيقي لا يتمثل في تنفيذ المداهمات أو إصدار مذكرات القبض، بل في قدرة القضاء على إنجاز محاكمات عادلة وشفافة تنتهي بأحكام قطعية تستند إلى الأدلة، بعيداً عن الضغوط السياسية والإعلامية.فالعراقيون لا يبحثون عن مشاهد استعراضية بقدر ما ينتظرون نتائج ملموسة تعيد الثقة بمؤسسات الدولة.
هل تكفي الاعتقالات إذا بقي النظام يُنتج الفساد؟
رغم أهمية ملاحقة المتهمين، فإن معالجة الفساد لا يمكن أن تقتصر على الجانب الأمني أو القضائي. فالعديد من المحللين يربطون تفشي الفساد بجملة من الاختلالات البنيوية، أبرزها المحاصصة السياسية، وتداخل النفوذ الحزبي مع مؤسسات الدولة، وضعف الرقابة، وتأثير المال السياسي والسلاح خارج إطار الدولة.وهنا تبرز المعضلة الأساسية: هل يمكن اجتثاث الفساد من خلال ملاحقة الأفراد فقط، بينما تستمر البيئة التي تسمح بإنتاجه؟إن أي مسؤول يُحاسب اليوم قد يحل محله آخر غداً إذا بقيت آليات التعيين والإدارة والعقود والرقابة تعمل بالمنطق نفسه. لذلك فإن نجاح أي حملة يتطلب أن تتحول من ملاحقة الأشخاص إلى إصلاح المؤسسات، لأن الأنظمة السليمة تحدّ من الفساد حتى لو تغير المسؤولون، بينما الأنظمة المختلة تعيد إنتاجه مهما تبدلت الأسماء.
الفساد السياسي... المصنع الذي لا يتوقف
ربما يكون أخطر ما في الفساد العراقي أنه لم يعد مقتصراً على الرشوة أو الاختلاس، بل أصبح مرتبطاً بالعملية السياسية نفسها. فالمال السياسي، وتمويل الحملات الانتخابية، وشراء الأصوات، واستغلال النفوذ، جميعها عوامل تجعل الفساد يبدأ قبل الوصول إلى السلطة، لا بعدها فقط.عندما تتحول الانتخابات إلى ساحة تنافس مالي أكثر منها تنافساً في البرامج، تصبح المؤسسات المنتخبة معرضة لتأثير المصالح التي موّلت وصول بعض القوى إلى مواقع القرار. وعندها يصبح استرداد تلك الأموال أو تعويضها من خلال العقود والمناصب أمراً يهدد نزاهة الإدارة العامة.لهذا يرى كثير من المراقبين أن مكافحة الفساد لا تبدأ من تنفيذ أوامر القبض، بل من إصلاح البيئة السياسية التي تفرز المسؤولين، وتعزيز شفافية التمويل الانتخابي، وتفعيل الرقابة على الإنفاق العام، وضمان استقلال الجهات الرقابية والقضائية. فالفساد السياسي لا يحمي الفاسدين فحسب، بل ينتجهم أيضاً.
الغطاء السياسي... ضمانة الاستمرار أم بداية التراجع؟
لا يمكن لأي حملة بهذا الحجم أن تستمر من دون غطاء سياسي واضح. وفي هذا الملف تحديداً برزت قراءات متباينة؛ فهناك من يؤكد أن الحملة تحظى بدعم سياسي وقضائي يمكّنها من الوصول إلى ملفات كانت مغلقة، فيما يرى آخرون أن بعض الإجراءات أثارت امتعاض قوى سياسية نافذة، ما قد يفرض حدوداً معينة على استمرارها.هذا التباين يعكس طبيعة المشهد العراقي، حيث تتقاطع اعتبارات القانون مع توازنات السياسة. لذلك يبقى السؤال قائماً: هل تمتلك الدولة الإرادة الكافية لمواصلة الحملة إذا وصلت إلى شخصيات أكثر نفوذاً وتأثيراً؟الإجابة عن هذا السؤال لن تكون في التصريحات، بل في المسار الذي ستسلكه الملفات خلال الأشهر المقبلة. فإذا استمرت الإجراءات بالمعايير نفسها بغض النظر عن الانتماءات السياسية، فسيكون ذلك مؤشراً على تحول نوعي في إدارة ملف الفساد. أما إذا توقفت الحملة عند حدود معينة، فستتعزز الانطباعات بأن السياسة ما زالت ترسم سقف المساءلة.
ما الذي يجعل هذه الحملة مختلفة؟
شهد العراق خلال العقدين الماضيين حملات عديدة لمكافحة الفساد، لكن معظمها فقد زخمه تدريجياً، إما بسبب تغير الأولويات السياسية، أو بطء الإجراءات القضائية، أو غياب النتائج الملموسة، أو عدم استرداد الأموال المنهوبة.لهذا فإن نجاح الحملة الحالية لن يُقاس بعدد المداهمات أو البيانات الرسمية، وإنما بمجموعة من المؤشرات العملية، أبرزها صدور أحكام قضائية نهائية، واستعادة الأموال العامة، وإحالة جميع المتورطين إلى القضاء من دون استثناء، وتعزيز إجراءات الوقاية التي تمنع تكرار الفساد مستقبلاً.فالحرب على الفساد ليست حدثاً إعلامياً ينتهي بانتهاء التغطية الإخبارية، بل هي مشروع دولة يحتاج إلى إرادة سياسية، واستقلال قضائي، ومؤسسات رقابية قوية، ورأي عام يرفض الإفلات من العقاب.يقف العراق اليوم أمام اختبار لا يتعلق بحملة أمنية أو قضائية فحسب، بل بمدى قدرة الدولة على الانتقال من إدارة ملفات الفساد إلى معالجة أسبابه. فملاحقة المتهمين تمثل خطوة ضرورية، لكنها لن تكون كافية إذا بقيت البيئة السياسية والإدارية التي أنتجت الفساد على حالها.ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تكون الحملة الحالية بداية لمرحلة تُكسر فيها الخطوط الحمراء فعلاً، وتُرسخ فيها سيادة القانون على الجميع؟ أم أنها ستنضم إلى قائمة طويلة من الحملات التي بدأت بزخم كبير، ثم خفت بريقها مع مرور الوقت؟الإجابة لن تصنعها التصريحات، بل ستكتبها الوقائع، وستحسمها قدرة الدولة على تحويل مكافحة الفساد من شعار سياسي متكرر إلى سياسة عامة مستدامة. |
| المشـاهدات 48 تاريخ الإضافـة 07/07/2026 رقم المحتوى 72035 |
أخبار مشـابهة![]() |
جامعة ديالى تحرز عددا من المراكز المتقدمة في النشاطات الطلابية من بين الجامعات العراقية |
![]() |
صولة الفجر… هل بدأت الدولة أخيراً معركة استعادة العراق من الفساد؟ أم أننا أمام جولة جديدة من الصراع السياسي؟ |
![]() |
لماذا لايحاسب القضاء العراقي اصحاب الاعترافات التلفزيونية بالفساد ؟
|
![]() |
القاسم يعتمد على الشباب بممتاز الكرة
|
![]() |
آرنولد على طاولة التغيير !
|
توقيـت بغداد









