محتوى النص الأدبي في دائرة النقد الضمني والتضامني
نحو تأسيس مفهوم "الأدب البنائي"![]() |
| محتوى النص الأدبي في دائرة النقد الضمني والتضامني نحو تأسيس مفهوم "الأدب البنائي" |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص : عبد الحسين الشيخ علي مقدمة شهد النقد الأدبي، منذ نشأته وحتى يومنا هذا، تحولات كبيرة رافقت تطور الفكر الإنساني وتبدل رؤيته إلى الأدب ووظيفته. فقد ظهرت مدارس نقدية متعددة، بدءاً من النقد البلاغي القديم، مروراً بالنقد التاريخي والاجتماعي والنفسي والبنيوي، وصولاً إلى نظريات التلقي والتفكيك والدراسات الثقافية. وكان القاسم المشترك بين هذه الاتجاهات هو البحث عن أفضل السبل لقراءة النصوص الأدبية واستنطاق دلالاتها. غير أن هذه الورقة تسعى إلى تقديم مقاربة نقدية يمكن تسميتها بـ«النقد الضمني والتضامني»، تنطلق من فرضية مفادها أن الجمال الفني لا ينشأ من فراغ، وإنما يتولد غالباً من احتكاك المبدع بواقع مضاد يعتريه النقص أو القبح أو الاختلال، فيتحول هذا الواقع، عبر المخيلة والوعي الفني، إلى نص جمالي قادر على التأثير والكشف في آن واحد. مفهوم النص والنقد بين اللغة والاصطلاح النص الأدبي ليس بنية لغوية مغلقة فحسب، بل هو استجابة إنسانية معقدة تجاه العالم. إنه إعادة تشكيل للواقع، ومحاولة لتجاوزه أو الاحتجاج عليه أو إصلاحه. وفي هذا السياق، تلتقي هذه الرؤية مع ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو حين رأى أن الفن الحقيقي يمثل شكلاً من أشكال المقاومة ضد تشوهات الواقع، وأن الجمال لا ينفصل عن الوعي بالمأساة الإنسانية. كما يرى الناقد الإنجليزي ماثيو أرنولد أن الأدب هو «نقد للحياة»، وهي عبارة تختزل الوظيفة المعرفية للأدب بوصفه ممارسة تتجاوز المتعة الجمالية إلى مساءلة الوجود الإنساني وتشخيص اختلالاته. أما النقد في اللغة، فقد ارتبط بتمييز الجيد من الرديء، كما يقال: نقد الدراهم، أي تمييز الصحيح من الزائف منها. واصطلاحاً، فهو عملية تحليل وتقويم للعمل الأدبي بقصد الكشف عن قيمته الفنية والفكرية. غير أن هذا التعريف يبدو قاصراً إذا اقتصر على تتبع الأخطاء اللغوية أو إطلاق الأحكام التقويمية؛ إذ إن النقد، في تصوري، يتمثل في كشف الجمال الكامن في النص من جهة، وتحليل الأسباب البيئية والثقافية والتاريخية التي أفضت إلى إنتاجه من جهة أخرى. الصورة الجمالية بوصفها مرآة للاختلال الاجتماعي أرى أن الصورة الشعرية أو السردية الجميلة تمثل انعكاساً غير مباشر لعيوب المجتمع وتناقضاته، يرصدها الكاتب بحساسيته الخاصة، ثم يعيد إنتاجها بلغة قادرة على النفاذ إلى الوجدان. وهذا التصور يجد صداه في نظرية الناقد المجري جورج لوكاتش، الذي يرى أن الأدب العظيم لا يعكس الواقع انعكاساً فوتوغرافياً، بل يكشف تناقضاته العميقة وحركته التاريخية الكامنة. كما يؤكد الناقد الفرنسي لوسيان غولدمان أن العمل الأدبي ليس نتاج فرد معزول، وإنما تعبير عن «رؤية للعالم» تشترك فيها جماعة اجتماعية معينة، ولذلك فإن فهم النص يقتضي فهم الشروط الاجتماعية التي أنتجته. وعليه، فإن الكاتب لا يبدع من فراغ، بل يمارس نوعاً من النقد الأولي للواقع. فالأديب، قبل الناقد، يختزل الظاهرة ويعيد تشكيلها جمالياً. إن اختياره للفظة، وانتقاء الصورة، وتحويل المادة الخام المؤلمة إلى أثر فني، كلها عمليات نقدية واعية. ومن هنا يمكن عدّ الأديب "الناقد الأول"، بينما يمثل الناقد المتخصص "الناقد الثاني" الذي يفكك ذلك البناء ويحلله وفق المناهج المختلفة. النقد الضمني والتضامني ينطلق مفهوم النقد الضمني والتضامني من أن النص لا يُقرأ داخل حدوده اللغوية فقط، ولا يُفسر من خلال مرجعياته الخارجية وحدها، بل عبر التفاعل بين الداخل والخارج. فالنقد الضمني يتمثل في العملية النقدية التي يمارسها المبدع أثناء الكتابة، أما النقد التضامني فهو انخراط الناقد مع النص في كشف جذوره الواقعية وأبعاده الثقافية والنفسية. وفي هذا الإطار، يقول ميخائيل باختين إن الكلمة الأدبية لا تعيش في عزلة، وإنما تدخل في حوار دائم مع أصوات المجتمع وخطاباته المختلفة. وبذلك يصبح النص فضاءً للحوار بين الذات والعالم، وبين التجربة الفردية والوعي الجمعي. كما يرى تيري إيغلتون أن الأدب شكل من أشكال إنتاج المعنى داخل شروط تاريخية محددة، وليس انعكاساً سلبياً للواقع. وعليه، فإن مهمة الناقد لا تنحصر في وصف البنية، بل تمتد إلى كشف الأنساق الفكرية والاجتماعية الكامنة وراءها. تطبيق المفهوم على نظرية التلقي تتجلى أهمية هذا الطرح عند الاستفادة من نظرية التلقي التي أسسها هانز روبرت ياوس. فياوس يرى أن معنى النص لا يُستنفد في لحظة إنتاجه، بل يتجدد تبعاً لاختلاف «أفق التوقع» لدى القراء. ومن ثم، فإن القراءة النقدية ليست حقيقة نهائية، وإنما اقتراح تأويلي مشروع. وقد طبقت هذه الرؤية على قصيدة الشاعر جواد الشلال: «الأشجار تبلل ثوبك بالحب كل صباح». ومن خلال أفق توقع نفسي واجتماعي، أمكن استنتاج مجموعة من الظواهر التي ربما أسهمت في ولادة النص، منها: أولاً: التغير الذهني والعاطفي في طبيعة العلاقات الإنسانية، وتحول المرأة لدى بعض الكتاب إلى صورة متخيلة أو "بطلة ورقية"، الأمر الذي أضعف حرارة التجربة العاطفية المباشرة. ثانياً: خيبة الكاتب تجاه هذا التحول، والتي عبر عنها بقوله: «ذبلت بهدوء كل مفردات الغزل ونبت الصبار في راحة يدي». ثالثاً: تبدل العلاقة التقليدية بين الإنسان والطبيعة، كما في صورة الفلاح والمطر التي انتقلت من الألفة إلى النفور. رابعاً: ظاهرة الانكسار العاطفي لدى المرأة المعاصرة، وما يمكن أن تتركه من أثر في بنية الوجدان الجمعي. وهذه القراءات لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وإنما تمثل احتمالات تأويلية يتيحها النص. ويؤكد وولفغانغ إيزر هذا المعنى عندما يرى أن النص يحتوي على "فراغات" لا تكتمل إلا عبر مساهمة القارئ في ملئها بخبراته وتصوراته. الأدب البنائي: نحو وظيفة اجتماعية للأدب انطلاقاً من ذلك، يمكن اقتراح مفهوم "الأدب البنائي". والمقصود به الأدب الذي ينطلق من رصد الاختلالات والظواهر السلبية في المجتمع، لكنه لا يقف عند حدود التشخيص، بل يحولها إلى طاقة جمالية تدفع نحو الوعي والبناء. ويتقاطع هذا المفهوم مع نظرية الالتزام عند جان بول سارتر، الذي يقول إن الكاتب الملتزم يدرك أن الكلمة فعل، وأن كشف الواقع هو خطوة أولى نحو تغييره. كما يلتقي مع رؤية الأديب الروسي مكسيم غوركي الذي عدّ الأدب معرفة بالإنسان وسلاحاً لتحسين حياته. إن الأدب البنائي لا يعني التفاؤل الساذج، ولا إنكار الألم، بل يعني إعادة تدوير القبح الواقعي وتحويله إلى طاقة معرفية وأخلاقية تدفع الإنسان إلى العمل والإصلاح. الإبكائية والتراجيديا: محاولة في تأصيل المفهوم يُقصد بالإبكائية ذلك النمط من الكتابة الذي يركز على استثارة الحزن واستدرار الدموع بوصفهما غاية نهائية. أما التراجيديا، في أصلها الإغريقي، فهي بناء درامي يقوم على الصراع والمأساة وما يترتب عليهما من تطهير نفسي. غير أن كثيراً من النتاجات المعاصرة لا تتجاوز حدود تكريس الحزن والاستسلام له، فتتحول إلى ما يمكن تسميته بـ"الإبكائية المشلّة للفعل". ومن هنا، فإن نقد الإبكائية لا يمثل رفضاً للألم الإنساني، بل اعتراضاً على تحويله إلى ثقافة دائمة تعيق البناء والعمل. وفي المقابل، يدعو الأدب البنائي إلى أدب المواجهة والأمل، وإلى إنتاج نصوص تغرس روح المبادرة والإيجابية، ومنها أدب الطفل والنصوص التي تعزز قيم الحياة والعمل والتكافل. الأدب والمجتمع في التراث العربي ولم يكن هذا الوعي غائباً عن تراثنا العربي. فقد أشار عبد القاهر الجرجاني إلى أن جمال النص لا يكمن في الألفاظ منفردة، وإنما في طريقة نظمها والعلاقات التي تنشأ بينها، وهو ما يدل على وعي مبكر بفاعلية الاختيار الفني. كما رأى ابن خلدون أن الآداب والفنون تتأثر بأحوال العمران البشري، وأن ازدهارها أو تراجعها يرتبط بازدهار المجتمع نفسه أو انحطاطه. وهذا يؤكد أن النص الأدبي وثيقة جمالية وثقافية في آن واحد. خاتمة تخلص هذه الورقة إلى أن النص الأدبي فعل جمالي ومعرفي متداخل، يولد غالباً من تماس المبدع مع واقع مضاد يحاول تجاوزه أو فضحه أو إصلاحه. ويمارس الأديب، أثناء عملية الخلق، دور الناقد الأول، فيما ينهض الناقد المتخصص بدور الناقد الثاني عبر تفكيك البنية وربطها بسياقاتها المختلفة. ومن هنا يتأسس مفهوم "النقد الضمني والتضامني" بوصفه محاولة لردم الهوة بين جماليات النص ومرجعياته الواقعية، وبين الإبداع والتحليل، وبين الفن والمجتمع. فالجمال، وفق هذا التصور، ليس ستاراً يحجب القبح، بل وسيلة لكشفه وتحويله إلى معرفة، والمعرفة ليست غاية في ذاتها، بل خطوة أولى في طريق البناء الإنساني. |
| المشـاهدات 49 تاريخ الإضافـة 07/07/2026 رقم المحتوى 72046 |
أخبار مشـابهة![]() |
التأثير والتأثر في ... العابرون
دراسة نقدية |
![]() |
حين تحطمت السفينة
|
![]() |
جامعة ديالى تحرز عددا من المراكز المتقدمة في النشاطات الطلابية من بين الجامعات العراقية |
![]() |
وزارة الثقافة تشارك في أعمال ملتقى المرأة والتنمية الإقتصادية لتعزيز الشراكات المجتمعية
|
![]() |
رحمة رياض تستعد لإحياء ليلة عراقية في الرياض وتوجه رسالة إلى جمهورها السعودي
|
توقيـت بغداد









