الثلاثاء 2026/10/13 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم
بغداد 26.95 مئويـة
نيوز بار ›
ضلع المربع الأخير .. عن الريادة الجماعية .ودلائل أخرى
ضلع المربع الأخير .. عن الريادة الجماعية .ودلائل أخرى
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. علي متعب جاسم
النـص :

 

1- الريادة الجماعية .

ما نحتاج إلى الوقوف عنده بصرامة نقدية هو المراجعة لحركة الحداثة . مراجعة لا تكرر الأفكار وتستعيدها ، إنما تقرأ ما لم يُلتفت إليه. ولعل مسألة الريادة للشعر الحر التي أخذت حيزا واسعا من البحث ومساحةً كبرى من التجاذبات إلى الوقت الراهن ، لم تُقرأ بوضعها الصحيح فيما نرى. 

فعلى الرغم من أن الدوال التاريخية لمن كتب في تلك المرحلة تسرّب معلومات وحقائق مهمة تقلب كفة الريادة الفردية إلى مفهوم نتبناه هنا هو الريادة الجماعية إلا أن الآراء مازالت ترجح أحدهما على الآخر. يشير يوسف الصائغ إلى قضية مهمة جدا، هي أن هناك مجموعة من الشباب يعددهم ومنهم روائيون ومنهم شعراء يقول متقاربون في العمر  متماثلون في التجربة. "تجمعهم قصاصات من ورق وتنقلهم من مقهى الى مقهى نفلسف هذا العالم من حولنا ". كما يقول بلند نفسه وهو مؤشر على طبيعة المؤثرات التي صاغت تجاربهم الأولى . وحين نريد التدقيق في مسار الحركة سنجد أن تبني الرؤية الجديدة لفهم الواقع وتبني الأفكار التقدمية هي الأغلب والأظهر وإن كان الطابع الرومانسي حاضرا متسللا إلى المجاميع الأولى. لكن الذي حدث في الغالب أمران، الأول اعتبار التأثير الرومانسي للمهجريين ولجماعة أبولو معيارا للامتداد الرومانسي . والثاني فهم الشكل الشعري فهما عروضيا والقياس من ثم على ذلك مسألة السبق التاريخي مع الإشارة أحيانا إلى الفني كما حدث مع البياتي . ولذلك حين كتب سامي مهدي عن بلند مثلا رأى إنه لم يكتب في خفقة الطين إلا قصيدة سميراميس وبضعة قصائد أقل شأنا فنيا منها. وقد أخرج سامي تلك المجموعة من " الحداثة " بناء على معيار العروض وليس دقيقا كما نرى . ما الذي يفسر لنا أن يكون بين أفراد تلك الجماعات رسام أو نحات أو قاص أو روائي أو شاعر؟. إن أهم شهادة في نظري هي ما يقوله جبرا في سيرته شارع الأميرات(190) " إذ يرى إن تيار التجديد اكتسب كثيرا من دفعه وقوته من هذا التوافق بين الأدباء والفنانين " على نحو لم يكن معروفا في البلاد العربية الأخرى. ويشير يوسف الصائغ إلى مسألة مهمة حين يتحدث عن أثر عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وشاكر خصباك ومهدي عيسى الصقر وما أحدثوه من نقلات بينة في السرديات العراقية ثم إلى أثر هذه الانتقالات في الشعر الحر. وقد تفيد هنا مراجعة ما كتبه الدكتور عبد الإله أحمد وهو يخطط جغرافيا السرد العراقي بدقة وحرفية إذ تحدث عن جماعة الوقت الضائع وعن نخبة ممن يمثلون الدور الطليعي للمثقف. كما تحدث الحيدري في حوار لمجلة الكرمل عام 1985 عن أثر التشكيل والسينما في إثراء الحركة الشعرية الحديثة وعن اشتغالاته في استثمار الصوت والزمان وهي مؤثرات مهمة جدا في شعريته. لكن تصريحات مهمة للحيدري أدلى بها عام 1973 من خلال حوار له مع يوسف الصائغ نشرته مجلة الأديب المعاصر. في هذا الحوار يقول شيئين مهمين . يقول " كان تأثري الأول في اتجاه التجربة الجديدة عن طريق خروج الرسامين كالمرحوم جواد سليم وفائق حسن إلى المرحلة الرائية في التصوير ذات الطابع التعبيري . وأشار بالنص إلى أن المرحلة الجديدة" لا يخلقها واحد ولم يخلقها واحد" وهذا يعضّد ما نذهب إليه ، أما القضية  الثانية  فهي أقل أهمية إذ إنه يشير إلى محاولاته في الكتابة على أساس توزيع مختلف للتفعيلات وبعض التقانات الأخرى منذ عام 1945، ونحن لا نقلل من هذا إذا استطعنا تدعيمه لكن لا نرى فيه إضافة مهمة ما دمنا نعتمد الريادة الجماعية مفهوما. باختصار نحتاج إلى مراجعة ما كتبه حسين مردان عن تلك التجمعات وعلي الشوك الذي كتب مقالة وصف بها بدقة تلك التجمعات التي يمكن أن تكون أكثر من نواة تمثل حراك المثقف وهو حراك ليس مقصورا على واحد دون آخر . وعليَّ أن أشير إيماء إلى أثر المدينة في ذلك الحراك الثقافي . المدينة لم تخلق وعيا متناغما عند هؤلاء الشعراء فحسب ، إنما دخلت في حراك متفاعل بينها وبين الشعر ،على كل المستويات تقريبا، ولو لاحظنا البنية المتحركة للزمن في قصيدة التفعيلة مقابل كل حركة دقيقة لعقارب الساعة، حركة الساعة تنتج تفاعلا اجتماعيا في المدينة على مستوى السلوك و الإنتاج والعمل والصراع والزي.. الخ من المفردات وصولا إلى النمو المتسارع. وهكذا في المكان الذي تتغير ملامحه ضمن ساعات اليوم نهارا أو ليلا وهكذا أيضا إذا دخلنا إلى أزقة المدينة منحنين أو ارتفع رأسنا قليلا لنرى شواهق البنيات. أفضية متداخلة ببعضها مقابل القصيدة الحديثة التي تعد القارئ بمداخل مختلفة ومخارج غير مؤتلفة بشكل دائم ،فهي بنية تدميرية وفقا لياسين النصير .  يأتي السياب من البصرة ونازك ابنة العائلة النجفية والبياتي المنحدر من مناخ روحاني ينتشر في أجواء محلته والحيدري " الارستقراطي المشرد "كما وصف، وإذا أضفنا إليهم الآخرون من التشكيليين والروائيين ، كلهم يدفَعون إلى مصهر مديني ويعيدون إنتاج المعادلة الشعرية. من هنا علينا إذن أن نتخطى وبصرامة نقدية تلك الفكرة البليدة التي تشخصن وتفرد الأفراد. هي نسق تسلل عبر مئات الظواهر إلينا، وحين نكشف عنه علينا أن نتجنبه .

 (2)

أتساءل ..لماذا عُد الرواد أربعة ولماذا كان بلند هو الرابع في تسلسل أفقي ؟  هل أثّر انسحابه المبكر أو قلة نتاجاته على ذلك ؟ مع إنه يقول معيدا قول ابن المقفع "ما أريده لا يأتيني وما يأتيني لا أريده "أي إنه ليس كما يذهب سامي مهدي خفّت قريحته وإنما لا يريد أن يكرر نفسه أو إنه يقع فريسة شعر الذكريات وشعر الذات التي تجتر آلامها . ولماذا شغل السياب ونازك ثم البياتي ثم بلند هذه السلسلة من الريادة ؟. لكني اكتشفت إني أعيد إلى ذاكرة الكتابة ما طرحه سامي مهدي الذي أراه أيضا لم يقرأ الحيدري إلا وفقا لما اقترحته الذاكرة النقدية العراقية، فوضع في مسلته النقدية مربع الحداثة وضلعها الأخير الحيدري ، مشخصا مراحل ثلاثة لسيرته الفنية "البداية والتجريب والنضج والاستقرار". مشيرا في مواضع مختلفة إلى تمايزاته أو اختلافاته مع زملائه وهذا ما لا أراه قويما ،فتجربة مثل تجربة الحيدري تحتاج إلى مفاتيح نصية مختلفة . بمعنى أن المعايير العامة للنقد لغة وإيقاعا ومخيلة وغيرها لا تنتج خصوصيات. يغيب عن مهدي كما غاب عن آخرين الحركة الداخلية للنص . فمع بلند ثمة نصوص تحتاج إلى الكشف عن عالمها الداخلي الذي يوازي العقل الباطن عند الإنسان وأظن أن هذه ميزة من ميزاته . ويستند سامي في بعض استنتاجاته إلى آراء سابقة  ففي إشارته إلى  قصيدة سيراميس يحاول إثبات احتذاءها لأبي شبكة رؤية وبناء ، والغريب إن بلند الحيدري يقول بالنص في حوار معه  " وقد تأثرت بهذه القصيدة بأبي شبكة " قبل 40 سنة من قول سامي .على إنه يذكر لاحقا في دراسته أن بلند كتب القصيدة الحديثة رؤية وبناء بشكل أكثر تحررا من السياب ونازك رغم بقائه ضمن منظومة الإيقاع العمودي . وفي التجريب يخلص إلى إن الحيدري طور من أدواته وتقاناته وتأثر بالأدب الوجودي " تأثرا سطحيا "  وهي الفكرة التي ينوه بها جبرا في سياق حديثه عن الحيدري في سيرته شارع الأميرات ويقرن مرحلة النضج بالتحول عن "التسيب الفكري" إلى الالتزام فضلا عن اتساع ثقافته وصنعته الشعرية و يبدو إنه حين يضع الحيدري رومانسيا ثم وجوديا ثم ملتزما واقعيا  يفرض على الشعر أو يسلط عليه أيديولوجيته.طبعا لا نريد أن يأخذنا الحديث عن نقاد بلند الحيدري  لكن إشارتين مهمتين أريد أن انتهي بهما الأولى إن استدلالا مهما يلتفت إليه الناقد سعد التميمي في دراسته عن الشاعر إذ يقف على ما نراه العلامات الدالة على شعرية الحيدري وهي " القلق والمنفى والريبة " ويضيف بعدا رابعا عن التأجيل النقدي وأسبابه . نرى في العلامات الثلاثة الأولى نوافذ دخول وليس انتهاء ،إذ إن كل علامة منها ولّدت قيم اشتغال وجسّدت مواقف وبيّنت رؤى .والإشارة الثانية أن بلند له مواقف وآراء وتصورات نقدية تسرّبت في مقالات ودراسات وكتاب مداخل إلى الشعر العراقي الحديث وإشارات على الطريق ونقاط ضوء  وحوارات وهي في الحقيقة تدل على وعي واضح بالحركة الشعرية الحديثة ما يجعلنا نعتقد إنها تضع الحيدري قرينا لنازك بالتنظير لحركة الحداثة . وقد بدأنا نحن في نادي النقد بالعمل على جمع تراثه النثري وتقديمه بعنوان الأعمال النثرية الكاملة لبلند الحيدري . ونأمل أن تظهر قريبا .

 

المشـاهدات 236   تاريخ الإضافـة 12/10/2026   رقم المحتوى 72796
أضف تقييـم