الإثنين 2026/7/13 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 45.91 مئويـة
نيوز بار
الحلقة الرابعة والأخيرة فاضل البراك بين الجاسوسية والصراع العائلي : دروس وعبر
الحلقة الرابعة والأخيرة فاضل البراك بين الجاسوسية والصراع العائلي : دروس وعبر
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

 

 

في ثلاث حلقات مضت، اقتفينا أثر الصعود الصاروخي والهبوط المدوي للرجل الذي جلس يوماً على عرش الخوف في العراق، اللواء فاضل البراك، قبل أن ينتهي به المطاف معلقاً على مشنقة الخيانة عام 1992. واليوم، في محطتنا الرابعة والأخيرة، لا نأتي لنعدد وقائع باردة أو نسرد محاضر تحقيق جافة، بل لنقف أمام المرآة؛ لنقرأ الأبعاد النفسية والسياسية والوجودية لقصةٍ تختزل كيف تأكل الأنظمة الشمولية أبناءها، وكيف يتحول "الحارس" إلى "ضحية" في غابة لا ترحم.

 

تبدأ المأساة من مفارقة ساخرة ومريرة في آن واحد؛ فالجهاز الأمني الأكثر رعباً في الشرق الأوسط، ذلك الغول الذي كان يجوب شوارع بغداد ويقطف الرؤوس على الظن والشبهة، تبين أنه كان يعيش عارياً بالكامل تحت أعين المخابرات الألمانية والموساد الإسرائيلي. وبفضل الهندسة التجسسية التي قادها صباح الخياط، تحول جهاز المخابرات من درع حصين للنظام إلى لغم موقوت مزروع في أحشائه. لم تكن هناك زاوية آمنة؛ المكاتب، غرف الاجتماعات السرية، المطابخ، وحتى دورات المياه ومدارس التطوير الأمني حيث يُلقن الضباط أسرار الدولة، كل شيء كان مخترقاً ومزروعاً بأجهزة التنصت. أي زفرة ألم لمتهم في التحقيق، وأي همسة لمسؤول كبير، كانت تطير مباشرة إلى تل أبيب وبون، لتتجلى لنا الحقيقة العارية: إن الدولة البوليسية مهما تضخمت عضلاتها، تظل هشة من الداخل، وقابلة للاختراق أضعاف قدرتها على الحماية، فالحصون لا تسقط عادة إلا من داخلها، خاصة حين يمتزج صراع السلطة بشهوة المال ونفوذ العائلات.

 

ولم يكن البراك رجلاً عادياً أو مأموراً يرتجف خلف مكتبه، بل كان يمتلك كاريزما طاغية، وحضوراً واثقاً، وجرأة نادرة جعلته يناقش صدام حسين وينتقد بعض سياساته علناً، لكن في عالم الديكتاتوريات، تكون الجرأة أحياناً هي أقصر الطرق إلى القبر. لقد وقع البراك في فخ "الغرور الأمني"، وظن أن ولاءه المطلق وخبرته الطويلة تمنحانه حصانة سرمدية فوق الشبهات، غافلاً عن قانون الاستبداد الأزلي الذي يقول إنه في بلاط الطغاة، لا يوجد ولاء دائم، والثقة صلاحيتها تنتهي بلمحة عين، وكلما اقتربت من ألسنة اللهب، كنت أول المحترقين. وما فعله صباح الخياط مع البراك لم يكن مجرد تجسس تقني، بل كان تشريحاً سيكولوجياً لنقاط ضعفه البشرية؛ إذ عزف الخياط على أوتار الطمع، والشهوة، والشعور بالأمان الزائف، فصُوّر البراك في لحظات ضعف إنساني مع نساء، وغُمر بالهدايا والأموال المتدفقة، فانزلق إلى الشرك بكامل إرادته، ظاناً أن الصياد لا يرى شبكته.

 

وفي كواليس النظام الصدامي، كان هناك صراع مكتوم وشرس يدور بين مفهومين: "الدولة المهنية" و"العائلة الحاكمة". كان صدام يلجأ أحياناً لعقول من خارج العشيرة لإدارة الملفات المعقدة كالبراك، لكن عاطفته الشمولية كانت ترتد دائماً إلى دمه وعائلته. ومن هنا، فإن إقصاء برزان التكريتي، الأخ غير الشقيق لصدام، من إدارة المخابرات عام 1983 ليحل محله البراك، فتح أبواب جحيم من العداء الشخصي العميق. برزان، ومعه سبعاوي إبراهيم الحسن، كانا يريان في البراك "غريباً" يتطاول على إرث العائلة، وحين لاحت في الأفق خيوط قضية صباح الخياط، لم يكن الأمر مجرد كشف لشبكة تجسس، بل كان فرصة ذهبية طال انتظارها للأخوة الأعداء لقطع رأس البراك. ولعل السؤال الذي يؤرق المؤرخين هو: هل كان صدام يعلم؟ والإجابة تكمن في تهميشه الشهير بخط يده على أحد التقارير عندما كان البراك يشكو مراقبته، حيث كتب: "لابد من الاهتمام به كعميل من المهمين، وقد يكون جند بعض المهمين في القطر". هذا يعني أن صدام لم يكن غافلاً، بل كان يراقب الصياد والطريدة، تاركاً الحبل على غاربه حتى تكتمل فصول المسرحية، وتصبح التصفية شرعية وقاضية.

تتجاوز قصة البراك حدود السيرة الذاتية لتصبح درساً كونياً بليغاً يُكتب بمداد من عبر، يذكرنا أولاً بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فقد بنى البراك مجده على أنقاض عذابات الأبرياء ودماء المعارضين ظاناً أن القسوة تحميه، فجاءت نهايته بذات الأداة التي أذاق بها الآخرين الموت. كما تؤكد أن الظلم مرتعه وخيم، إذ دارت الدائرة، ومن كان يملك صكوك الحياة والموت في زنازين المخابرات، وقف ذليلاً ينتظر حكماً بالإعدام من رفاق الأمس. إن أنظمة الخوف تهلك نفسها بنفسها، والنظام الذي يتغذى على الرعب ينتهي به المطاف بالتوجس من ظله، وحين تتوغل العائلات في مفاصل الدولة، يتحول الوطن إلى إقطاعية، وتصبح الخيانة وجهة نظر في صراع البقاء. وفي النهاية، فإن ذاكرة التاريخ لا تشيخ، وقد تفلح الماكنة الإعلامية في تزييف الحقائق لفترة، لكن التاريخ يمهل ولا يهمل، ويعيد كتابة السطور بإنصاف ليضع الطغاة والجلادين في مكانهم الصحيح.

 

لم يكن فاضل البراك مجرد اسم في قائمة المعدومين، بل كان تجسيداً تراجيدياً للمصير الحتمي لكل من يبيع روحه لشيطان السلطة المطلقة. واليوم، وبعد أن نفض الباحث فاضل أبو رغيف الغبار عن تلك الحقبة في بودكاست "جيم سين"، مستنداً إلى وثائق سرية تُعرض لأول مرة، أُسدل الستار على عقود من الغموض والشائعات. لم يكن إعدامه مجرد تهمة تجسس عابرة، بل كان انفجاراً لبركان من الصراعات العائلية، والفساد المالي، والغرور السياسي. ويبقى السؤال معلقاً في فضاء الذاكرة العراقية: هل أدركنا حقاً من هو فاضل البراك؟ أم أننا ما زلنا نرى شبحه عبر النظارة التي صنعها لنا النظام القديم؟ لقد تكلمت الوثائق وأخيراً استراح التاريخ، لتبقى القصة عبرة لمن اعتبر، وصوتاً يهمس في أذن كل ذي سلطة: "لو دامت لغيرك.. ما وصلت إليك".

المشـاهدات 46   تاريخ الإضافـة 13/07/2026   رقم المحتوى 72161
أضف تقييـم