الثلاثاء 2026/10/20 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
نيوز بار ›
حدود صلاحية القاضي العادي في تفسير النصوص الدستورية
حدود صلاحية القاضي العادي في تفسير النصوص الدستورية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. عدنان الشريفي
النـص :

 

يثير تطبيق الدستور أمام المحاكم سؤالاً دقيقاً: هل يمتنع القاضي العادي عن النظر في معنى النص الدستوري لأن المادة (93/ثانياً) من الدستور جعلت تفسير نصوصه من اختصاص المحكمة الاتحادية العليا؟ أم أن الفصل في المنازعات يقتضي بالضرورة قدراً من فهم الدستور وتطبيقه؟جواب ذلك يقوم على التمييز بين التفسير الدستوري المجرّد الملزم، وبين الفهم القضائي اللازم لتطبيق الدستور في دعوى معروضة. فالتفسير الدستوري المجرّد هو الذي ينصب مباشرة على تحديد معنى النص الدستوري ومداه، ويكون تحديد هذا المعنى هو محل العمل القضائي ذاته، لا مجرد وسيلة عارضة لحسم نزاع. وقد أناط الدستور هذا الاختصاص بالمحكمة الاتحادية العليا، ونصت المادة (94) منه على أن قراراتها باتة وملزمة للسلطات كافة.ويترتب على هذا الإلزام أثر مهم: القاضي العادي مقيّد بما سبق أن قررته المحكمة الاتحادية العليا من تفسيرات. فإذا تصدت المحكمة لتفسير نص دستوري، فليس لمحكمة الموضوع ولا لمحكمة التمييز أن تأخذ بمعنى يخالفه، ولو رأت أن النص يحتمل غيره.ومع ذلك، فإن القاضي العادي لا يعمل في فراغ دستوري. فالمادة (13) من الدستور تقرر أن الدستور هو القانون الأسمى والأعلى في العراق والملزم في أنحائه كافة، فيما تنص المادة (88) على استقلال القضاة وألا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون. ولذلك قد يجد القاضي نفسه، وهو يفصل في نزاع يدخل أصلاً في اختصاصه، مضطراً إلى تطبيق حكم دستوري مباشر أو إلى استظهار دلالته بالقدر الذي يقتضيه حسم الدعوى.وهنا يكمن الفارق. فقد يكون تفسير الدستور هو محل العمل القضائي ذاته، وذلك يخرج عن ولاية القاضي العادي، وقد يكون فهم النص الدستوري وسيلة لازمة لتطبيق القانون والفصل في النزاع، وذلك من صميم وظيفته.وقد جرى القضاء العراقي عملياً على تطبيق النص الدستوري في المنازعات الداخلة في ولايته. فمحكمة التمييز الاتحادية، في قرارها المرقم (316/2012) في 25/12/2012، نقضت حكماً جزائياً لعدم انتداب محامٍ للمتهم، مستندة إلى المادة (19/حادي عشر) من الدستور، إلى جانب أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية. فالمحكمة لم تصدر تفسيراً دستورياً مجرداً، وإنما أعملت ضمانة دستورية صريحة في نزاع معروض أمامها.ويظهر الحد الفاصل بصورة أوضح في النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2025. فإذا رأت المحكمة أثناء نظر الدعوى أن نصاً في قانون أو نظام يتعلق بها يثير شبهة عدم الدستورية، فلها أن تطلب، عن طريق رئاسة الاستئناف، من مجلس القضاء الأعلى الطعن بدستورية النص أمام المحكمة الاتحادية العليا. أما إذا دفع أحد الخصوم بعدم دستورية النص، فيكلّف بإقامة الدعوى بذلك خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ الدفع، وتقدم إلى محكمة الموضوع لإرسالها إلى المحكمة الاتحادية العليا وفق المدد التي رسمها النظام، وللمحكمة أن تستأخر الدعوى استناداً إلى المادة (83) من قانون المرافعات المدنية.كما أجاز النظام للأشخاص الطبيعيين والمعنويين إقامة الدعوى الدستورية مباشرة، من دون اشتراط وجود دعوى عادية قائمة، متى كانت لهم مصلحة حالة ومباشرة ومؤثرة، وكان النص المطعون فيه قد طُبّق عليهم فعلاً.وهذا التنظيم يكشف جوهر توزيع الاختصاص. فالقاضي العادي يطبق الدستور، لكنه إذا انتهى إلى أن النص القانوني الواجب التطبيق يخالف الدستور فلا يملك استبعاده بنفسه، وإنما ينتقل إلى آلية الرقابة الدستورية التي رسمها النظام.ومن هنا تأتي أهمية ما يعرف بالتفسير المتوافق مع الدستور. فإذا احتمل النص القانوني أكثر من معنى، وكان أحدها ينسجم مع الدستور والآخر يصطدم به، فمقتضى علوية الدستور أن يأخذ القاضي بالمعنى المتوافق معه ما دام النص يحتمله فعلاً. أما إذا لم يتسع النص لذلك وبلغ الأمر حد استبعاده لمخالفته الدستور، فقد خرجت المسألة من سلطة القاضي العادي ودخلت في نطاق الرقابة الدستورية.أما محكمة التمييز الاتحادية، فلها بحكم وظيفتها في توحيد تطبيق القانون أن ترسم المبادئ التي تهدي محاكم الموضوع في إعمال النصوص الدستورية داخل المنازعات العادية، لكن هذا الدور لا ينبغي أن يتحول إلى إنشاء تفسير دستوري مستقل موازٍ لتفسير المحكمة الاتحادية العليا، ولا سيما إذا أصبح الخلاف منصباً على معنى النص الدستوري ذاته.فالخطر ليس في أن يستعين القاضي بالدستور، وإنما في أن تتعدد التفسيرات الدستورية بتعدد المحاكم، فتغدو وحدة المعنى الدستوري نفسها موضع نزاع.وقد نظم النظام الداخلي طريق طلب التفسير، فأجاز للسلطات والجهات المنصوص عليها فيه أن تطلب من المحكمة الاتحادية العليا تفسير نص دستوري أثار خلافاً في التطبيق. ولما كانت السلطة القضائية إحدى السلطات الاتحادية بموجب المادة (47) من الدستور، وكان مجلس القضاء الأعلى أحد مكوناتها بموجب المادة (89)، فإن من المتجه فهم هذه النصوص على أن مجلس القضاء الأعلى يمثل القناة المؤسسية الأوثق لنقل خلاف تفسيري ينشأ في نطاق القضاء العادي إلى المحكمة الاتحادية العليا، متى توافرت شروط طلب التفسير، بدلاً من أن يتحول اختلاف التطبيق داخل محاكم الموضوع أو محكمة التمييز إلى تفسير دستوري موازٍ.. وبذلك تتحدد العلاقة بين القضاء العادي والقضاء الدستوري على نحو واضح: فالقاضي العادي يطبق الدستور ويفهم نصوصه بالقدر اللازم للفصل في الدعوى، ويلتزم بما سبق أن قررته المحكمة الاتحادية العليا من تفسيرات، وينتقل إلى طريق الرقابة الدستورية إذا أصبحت المشكلة في دستورية النص التشريعي نفسه، بينما يبقى تحديد المعنى الدستوري الأصيل والملزم من اختصاص المحكمة الاتحادية العليا.

المشـاهدات 26   تاريخ الإضافـة 19/10/2026   رقم المحتوى 72960
أضف تقييـم