الثلاثاء 2026/10/20 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
نيوز بار ›
الرؤية الأمريكية البراغماتية لما يحصل في العراق!
الرؤية الأمريكية البراغماتية لما يحصل في العراق!
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أ.د.عبدالرزاق محمد الدليمي
النـص :

 

تستند السياسة الأمريكية في العراق إلى براغماتية قائمة على إدارة الأزمات وتجنب الانهيار ((وهذا ما كتبت عنه قبل فترات طويلة ))وليس على إعادة بناء الدولة التي دمرت وفككت أو بناء حكم رشيد وذلك لعدة أسباب استراتيجية وسياسية:

 

اولاً :تغير الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة

 

1.مكافحة الإرهاب بدلاً من بناء الدولة: بعد تكاليف الاحتلال الباهظة والانسحاب العسكري تحول التركيز الأمريكي من (تغيير النظام وإعادة البناء )إلى التركيز الحصري على مسرحية منع عودة تنظيم "داعش" وتأمين المصالح الأمنية والعسكرية المباشرة.

 

2.التركيز على منافسات أكبر: تولي واشنطن حالياً أولوية قصوى لمواجهة التمدد الصيني والمنافسة مع روسيا مما جعل الشرق الأوسط والعراق منطقة (إدارة مخاطر) بدلاً من منطقة استثمار سياسي أو اقتصادي طويل الأمد.

 

3.موازنة النفوذ ومنع الانهيار الشامل:سياسة "أفضل السيئين": تدرك واشنطن أن الضغط المفرط لإسقاط النظام الفاسد أو تفكيك الفصائل المسلحة قد يؤدي إلى فراغ أمني ينتهي بفرار السلطة كلياً أو اندلاع حرب أهلية شاملة وهو سيناريو تخشاه واشنطن لأنه قد يهدد خطوط إمداد الطاقة والأمن الإقليمي.

 

ثانياً: الواقعية السياسية: تتقبل واشنطن التوافقات السياسية التي تأتي بجهات مقربة من الفصائل أو تتيح استحداث مناصب وترضيات مالية طالما أن هذه الحكومة تحقق حداً أدنى من الاستقرار الأمني الظاهري ولا تهدد المصالح الأمريكية المباشرة بشكل صريح.

 

رابعاً:حدود النفوذ وأوراق الضغط الأمريكية:1.الضغط المالي مقابل العواقب: تمتلك واشنطن ورقة ضغط قوية عبر الاحتياطي الفيدرالي ومبيعات النفط العراقي بالدولار لكن استخدام هذه الورقة لشل الحكومة المالية يهدد بانهيار الدينار العراقي واقتصاد البلد كاملاً مما يضر بالسكان ويخلق فوضى لا تستطيع واشنطن تحمل تبعاتها.

 

2.التعقيد الداخلي للطبقة السياسية الحاكمة: النظام السياسي العراقي الذي تأسس بالعراق بعد ٢٠٠٣ القائم على المحاصصة وتوزيع الغنائم استطاع التكيف مع العقوبات والضغوط الخارجية حيث يتم استغلال الموارد المالية لترضية الأطراف النافذة ومحاولة تجنب الصدام المباشر مع الطرفين (واشنطن وطهران).

 

رابعاً:تجنب المواجهة المباشرة مع إيران:والتصعيد الإقليمي: تحرص الولايات المتحدة على عدم تحويل العراق إلى ساحة حرب مفتوحة وشاملة مع الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، وتفضل استخدام الضربات المحدودة أو العقوبات الاقتصادية الموجهة لأفراد وكيانات محددة بدلاً من تفكيك المنظومة السياسية التي تضم هذه الفصائل.

 

خامساً:أزمة الشرعية والسيادة:

 

1.تجنب التلميح بالوصاية: أي تدخل أمريكي مباشر لفرض إصلاحات إدارية أو إلغاء مناصب حكومية سيُستغل سياسياً وإعلامياً من قبل القوى النافذة على أنه ((انتهاك للسيادة العراقية))؟! مما يمنح الفصائل غطاءً شرعياً لمهاجمة المصالح الأمريكية.تتقبل واشنطن هذه التجاوزات والتكاليف المالية المرتفعة على حساب الاقتصاد العراقي والمواطن المجهد لأن بديل هذا النظام القائم (من وجهة نظر التخطيط الاستراتيجي الأمريكي)هو الانهيار الكامل أو الفوضى المسلحة وهما سيناريوان أشد ضرراً على المصالح الأمريكية في المنطقة.

 

سادساً:اين الشعب العراقي؟: إن معاناة الشعب العراقي اليوم هي النتيجة المباشرة لهذا التوازن الحرج !! إذ أدى إعطاء الأولوية للاستقرار الأمني الشكلي !! وتجنب الفوضى على حساب بناء الدولة إلى تحميل المواطن العراقي كل الفواتير الأكبر والأقسى.تتجلى هذه المعاناة في جوانب حياتية يومية جعلت العيش المستقر أمراً صعباً ومعقداً:

 

1.استنزاف الثروات والهدر المالي: الموازنة التشغيلية على حساب الاستثمار: يُستهلك معظم دخل النفط في موازنات تشغيلية لتمويل رواتب ومناصب مستحدثة وتصاعد أعداد العاملين في القطاع العام كنوع من الرشوة السياسية والتسكين الاجتماعي ...بينما لا يُخصص سوى النزر القليل للبنية التحتية أو المشاريع التنموية.

 

2.غياب التنمية المستدامة: رغم الميزانيات المليارية الأكبر في تاريخ البلاد منذ ١٩٢١ يعاني العراق من عجز متكرر وتراجع اقتصادي حاد مع كل تغير في أسعار النفط العالمية دون وجود بدائل اقتصادية كالصناعة أو الزراعة.

 

3.تداعي الخدمات الأساسية والبنية التحتية سيما أزمة الكهرباء والماء: على الرغم من إنفاق عشرات المليارات على قطاع الطاقة منذ عام 2003 لا يزال المواطن يعتمد على المولدات الأهلية المكلفة وتُعاني مدن كاملة من أزمات مياه صالحة للشرب وتلوث بيئي خطير.

 

4.القطاع الصحي والتعليمي: تراجعت جودة المستشفيات والمدارس الحكومية بشكل حاد مما أجبر المواطنين على تحمل أعباء مالية إضافية للجوء إلى القطاع الخاص أو السفر للعلاج والتعلّم في الخارج.

 

5.البطالة وأنسداد الآفاق أمام الشباب:غياب القطاع الخاص: تسببت البيئة الاستثمارية الطاردة والسيطرة الاقتصادية لجهات نافذة ومجاميع مسلحة..... في شلل القطاع الخاص والعام (أن بقى منه شيئ )مما جعل فرص العمل معدومة للشباب والخريجين إلا عبر المحسوبيات والواسطة.

 

6.ارتفاع معدلات الفقر: تشير التقارير إلى أن نسب الفقر والبطالة تظل مرتفعة بشكل لا يتناسب إطلاقاً مع بلد يُعد من أكبر مصدري النفط في العالم.

 

7.السلاح المنفلت والأمن الاجتماعي: ضعف سيادة القانون: يجد المواطن نفسه في مواجهة قوة السلاح المنفلت وتغليب النفوذ العشائري أو الحزبي على القانون مما أضعف الثقة بالمنظومة القضائية والأجهزة الأمنية في مواجهة المتنفذين.

 

8.الهجرة والنزيف العقول: دفع الإحباط وفقدان الأمل بفئات واسعة من الكفاءات والشباب إلى المخاطرة بالهجرة خارج البلاد بحثاً عن كرامة ومستقبل أمن.

 

يبدو أن قناعة المواطن استقرت بأن المأساة الحقيقية تكمن في أن النظام السياسي القائم بقصد او بدونه جعل من المعيشة اليومية للمواطن العراقي رحلة صراع مستمرة حيث تُستغل حاجة الناس للأمن والخدمات الأساسية للضغط عليهم وإبقائهم في حالة من الانشغال الدائم بتأمين القوت اليومي مما يضعف قدرتهم على التغيير أو إيجاد بدائل سياسية حقيقية(لحد الان)؟!

المشـاهدات 34   تاريخ الإضافـة 19/10/2026   رقم المحتوى 72969
أضف تقييـم