الأحد 2026/1/11 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم جزئيا
بغداد 14.95 مئويـة
نيوز بار
قراءة سيميائية في قصيدة "يا طير"، الاغنية التي ترسم جرحا مفتوحا حين تغنيها فيروز
قراءة سيميائية في قصيدة "يا طير"، الاغنية التي ترسم جرحا مفتوحا حين تغنيها فيروز
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

د. انسام المعروف

 

ان مقاطع اغنية " يا طير " لفيروز  لا تُغنّي “حكاية” بقدر ما تُغنّي حالة من حنينٌ يتجاوز الحبّ الشخصي إلى شعورٍ كونيّ بالغربة، وانتظارٌ يتحوّل إلى طريقة عيش. والقوة هنا ليست في كثافة الصور فحسب، بل في البنية التي تجعل الكلام يدور حول غيابٍ واحد، ويعود إليه كلما ظنّ أنه ابتعد. لذلك تبدو الكلمات مألوفة، لكن أثرها غير مألوف: لأنها تضعنا مباشرةً في منطقةٍ بين الرجاء والعجز.

لذا سأقرأ النص الذي استمع له منذ سنوات وانا اتسائل عنا يجعله مميزا . ساعمد الى مزجٍ مقصود بين السيميائيات (العلامات التي هي الطير، الشجر، الحجر، الشمس، الفراق) والأسلوبية (البناء اللغوي، التكرار، الإيقاع الداخلي، النداء والقسم). هذه المقاربة مناسبة لأن الأغنية تقوم على شبكة رموز طبيعية تتحوّل إلى وظائف نفسية؛ فالطبيعة ليست خلفية، بل جهاز “توصيل” للرسائل، ووسيلة لتشكيل معنى الانتظار والألم. حيث تبدا القصيدة بالعتبة الأولى “يا طير” كنداءٍ يخلق مسافةً ويعترف بالعجز.  ان افتتاح النص بالنداء لا يقدّم معلومة، بل يقدّم وضعًا وجوديًا؛ حيث  المتكلم لا يخاطب إنسانًا قادرًا على الرد، بل يخاطب طيرًا؛ أي كائنًا يملك الحركة حيث المتكلم محكوم بالثبات. هنا تنشأ المفارقة المركزية ، لكي يصل إلى الحبيب يحتاج إلى وسيط، وحين يحتاج إلى وسيط فهذا اعتراف ضمني بأن الطريق البشري مسدود.

أما عبارة “على طراف الدني” فترسم للطير حدودًا لا مكانًا فالأطراف هي منطقة بين الداخل والخارج، بين الوطن والمنفى، بين اليقين والضياع. كأنّ الطير يتحرك في هامش العالم، بينما المتكلم في مركز الألم.

فنجد المقطع “لو فيك تحكي” ترسم انتقال من الحركة إلى اللغة… ثم إلى المستحيل

هنا ، المتكلم لا يكتفي بحسد الطير على الطيران، بل يطلب منه “الحكي”. هذه قفزة دلالية مهمّة: إن كانت المسافة تُقهر بالطيران، فإن الغياب يُقهر بالكلام. لكنه يختار صيغة “لو” الشرطية، وهي صيغة تمنح الرجاء ملامح المستحيل منذ البداية. كأن النص يقول حتى أدوات الخلاص ناقصة، حتى الوسيط غير كامل، وحتى الرسالة مهددة.

بهذا يصبح الطير علامة مزدوجة: رمز للقدرة، ورمز لعدم كفاية القدرة. وهذا الازدواج هو ما يعطي النص توتره العاطفي فهناك أمل، لكن الأمل نفسه مُثقّل بالشك.

“روح اسألن… وَلِيفو مش معو” حيث الغياب كحقيقة لا تُناقَش وهنا ينقل النص القضية من سؤالٍ عام إلى جملة تقريرية موجعة الحبيب “مش معو”. لا يوجد تفسير ولا سرد أسباب؛ الغياب يُطرح كواقع صلد. ومن هنا تبدأ تقنية النص: إنه لا يشرح الألم، بل يُجسّده في تتابع من الصفات: مجروح، موجوع… هذه الكلمات ليست وصفًا محايدًا، بل هي بناء لهوية المتكلم بوصفه “جسدًا من الألم”.

وفي “شو بينفعو” تتكسّر اللغة إلى سؤالٍ يائس ما فائدة الكلام؟ ما فائدة السؤال؟ ما فائدة الحب أصلاً أمام واقع الغياب؟ هنا الحنين لا يعود عاطفة جميلة، بل يتحول إلى اختبار للمعنى.

“موجوع ما بيقول” تعان تراجيديا الكتمان ونبوءة الصمت ، فالجملة “موجوع ما بيقول علّي بيوجعو” ليست مجرد حكمة؛ إنها قلب النص. الألم هنا لا يطلب المواساة، بل يفرض على صاحبه قانونًا لا تفضح الجرح. هذا يجعل المتكلم يعيش مصيبتين في آن واحد مصيبة الوجع، ومصيبة عدم القدرة على الإفصاح عنه. ومن منظور أسلوبي، صياغة العبارة بلهجة مباشرة تُقرّب الألم من الحياة اليومية، فتزيد أثره فنحن لا نسمع شاعرًا يتأنّق، بل إنسانًا يختنق.

ثم تأتي “وتعنّ عَ بالو ليالي الولدنة” لتوسّع الألم من حب إلى زمن. ليست ذكرى واحدة؛ إنها “ليالي” كاملة تعود، وكأن الذاكرة تتحول إلى آلة تعذيب رقيقة: تعيد الماضي بوضوحٍ قاسٍ.

“يا طير وآخد معك لون الشجر” صورة تبدو رقيقة، لكنها تحمل معنى الفقد: فاللون هنا شيء يمكن حمله والرحيل به. الشجر يبقى بلا لون إذا أخذ الطير اللون معه، أي أن العالم بعد الغياب يصبح باهتًا. ثم تأتي العبارة الصادمة “ما عاد في إلا النطرة والضجر”: اختزال الحياة إلى زمنين فقط، انتظار وضجر. لا حب، لا فعل، لا مفاجأة.

“بنطر بعين الشمس عَ برد الحجر” واحدة من أقوى صور النص؛ لأنها تجمع ضدّين في مشهد واحد: الشمس (الدفء/الأمل/الحياة) والحجر البارد (القسوة/الجمود/الواقع). العين هنا ليست أداة رؤية فقط، بل أداة انتظار، كأن المتكلم يستخدم الضوء نفسه ليقاوم برودة العالم، لكن البرودة لا تزول. إنها صورة عن أملٍ يصرّ، لكنه يصطدم بصلابة الواقع.

وأخيرًا “وملبّكة وإيد الفراق تهدّني” يتحول الفراق من معنى مجرد إلى “يد” تهدم. السيمياء هنا واضحة فالفراق ليس فكرة في الرأس، بل قوة جسدية تعمل في العالم وتكسر البناء الداخلي للإنسان.

“وحياة ريشاتك” و”وحياة زهر الشوك” و”هبوب الهوا” هي أقسام تُستعار من الطبيعة. القسم عادةً يحتاج مقدّسًا أو عزيزًا؛ هنا المقدّس هو ما يملك الحركة والخفة؛  الريش والهواء. هذا يكشف أن المتكلم فقد ثوابته البشرية، فراح يبحث عن “ثوابت بديلة” في الطبيعة.

لكن الأكثر إيلامًا هو الشرط “إن كنّك لعندن رايح وجنّ الهوا خدني”. حتى احتمال وصول الطير “لعندن” مشروط، وحتى “الهوى” يمكن أن يجنّ، أي أن الطريق نفسه غير مأمون. ثم تأتي الذروة “خدني ولنّو شي دقيقة وردّني”. هو لا يطلب خلاصًا كاملاً، ولا لقاءً طويلًا؛ يطلب دقيقة. هذه الدقائق القليلة تكشف حجم الحرمان حين يصير الحلم صغيرًا إلى هذا الحد، نفهم أن الألم كبير جدًا.

والأكثر مأساوية في “وردّني” أنها تعترف مسبقًا بأن اللقاء إن حدث فهو مؤقت، وأن العودة قدرٌ لا مفرّ منه. كأن النص يدرّب قلبه على الفرح الخاطف ثم الخسارة من جديد.  ان تكرار النداء في نهاية المقاطع ليس لحنًا فقط؛ إنه بنية نفسية. المتكلم يذهب في المعنى ثم يعود: يسأل، يصف، يقسم، يرجو… ثم يعود للنداء ذاته. هذه الحركة الدائرية تُحاكي دائرة الحنين: لا حلّ نهائي، بل موجة تتراجع لتعود.

ومن منظور أسلوبي، الامتداد الصوتي في “يا طييير” يمنح الكلمة شكلًا زمنيًا كأن النداء نفسه يصير انتظارًا ممتدًا، لا ينتهي في الحنجرة بل يتابع في الفراغ.

المشـاهدات 43   تاريخ الإضافـة 10/01/2026   رقم المحتوى 69691
أضف تقييـم