| النـص : ما يجري اليوم لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا منفصلًا أو طارئًا، بل هو امتداد لنهج متكرر في السياسة الأميركية يقوم على تقديم القوة بوصفها أداة شرعية لإدارة النظام الدولي. الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تكتفِ بدور الدولة القائدة للنظام الدولي، بل سعت تدريجيًا إلى التحول إلى مرجعية فوق هذا النظام، تحدد متى يُفعّل القانون ومتى يُعلّق.في الخطاب الأميركي، تُقدَّم التدخلات الخارجية دائمًا ضمن عناوين كبرى: حماية الديمقراطية، الدفاع عن الأمن، مواجهة التهديدات. غير أن الممارسة الفعلية تكشف أن هذه العناوين غالبًا ما تُستخدم كأدوات سياسية لتبرير أفعال تتجاوز مبدأ السيادة، وتعيد تعريف الشرعية وفق المصلحة لا وفق القانون.اللافت أن هذا السلوك لا يرتبط بإدارة أميركية دون أخرى، بل يشكّل جزءًا بنيويًا من التفكير الاستراتيجي الأميركي، الذي يرى أن الحفاظ على النفوذ العالمي يقتضي منع أي دولة من الخروج عن الإطار الذي ترسمه واشنطن، سواء عبر قرارات اقتصادية سيادية، أو تحالفات سياسية غير مرغوبة، أو خيارات مستقلة في إدارة الموارد.في هذا السياق، تصبح الأمم المتحدة ومجلس الأمن أدوات ثانوية، يُلجأ إليها عندما تخدم القرار الأميركي، ويُتجاوزان عندما يتحولان إلى عائق. العجز المتكرر للمؤسسات الدولية لا يعكس ضعفها الذاتي فقط، بل يعكس حدود قدرتها أمام دولة تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية والنفوذ السياسي الكافي لفرض الأمر الواقع.الأخطر من الفعل نفسه هو الصمت الدولي المحيط به. غياب مواقف حازمة من قوى كبرى أخرى يوحي بأن العالم يعيش مرحلة إعادة تكيّف مع منطق جديد: منطق القبول الضمني بتفوّق القوة على القانون. هذا الصمت لا يعني بالضرورة الموافقة، لكنه يكشف حجم التردّد والخشية من مواجهة نظام دولي غير متوازن.ما نراه اليوم ليس نهاية النظام الدولي، لكنه مؤشر واضح على اهتزازه. حين تفقد الدول الثقة بقدرة القانون الدولي على حمايتها، وحين يصبح مصير السيادة مرهونًا بميزان القوة، فإن العالم يدخل مرحلة أكثر قلقًا، حيث يصبح الاستقرار استثناءً لا قاعدة. السؤال لم يعد: ماذا حدث؟ بل: إلى أين يتجه العالم إذا استمر هذا النمط دون محاسبة؟
|