السبت 2026/1/17 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
ضباب
بغداد 4.95 مئويـة
نيوز بار
شعرية جماعة كركوك الجزء الأوّل
شعرية جماعة كركوك الجزء الأوّل
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

رسول عدنان

ناقد و شاعر عراقي

 

شعريّة صلاح فائق

صلاح فائق شاعر الإلتقاطات اليومية، و الومضات العابرة، له لغة خاصة، اختلفتْ كثيرا عن جماعة كركوك، لأنّ جملتَه الشعريّة هي جملةُ التجريب الشعري، لا يتوقف عند لون او فكرة ما، بل إنّه يضرب  كل ما حول بقلمه السحري، ليحوّلَه الى شعر، موهبة متقدة، تستطيع أنْ ترصد التجدد و التجاوز في كلِّ قصيدة له، حوّل العالم المرئي و اللآمرئي الى مسرح لمختبره الشعري، مما وسّع قاموسه اللغوي، بل جعل هذا القاموس غيرَ محدد، و غيرَ قابلٍ للإحصاء، كل شئ أمامه مباح، و يستطيع انْ يوظّف كل ما تقع عليه عينه ليحوّله الى شعر، و ما يلفتُّ الإنتباه في شعريته، إنّه لا يضع لونا او شكلاً او حجما لما يكتب، سوءاً أ كان  قصيدة، ام ومضة، او سطرا واحدا؟ و هذا متأتي من كونه يطارد اليومي العابر، بلا سعة  و لا حدود و لا أيدلوجيات شعرية أُسقطتْ عليها نظريات بعينها، هو لا يأبُّه الا بالشعري، يصوغه بوعيه و لا وعيه، و يدعه يخرج كما يخرج، تتحوّل المحسنّاتُ البديعية مثل الإستعارات و التوريات و التشبيهات الى لُعبةٍ لغويّة بحتة، تراه في هوس و صخب دائمين، لا يقف عند تعريف او مصطلح واحد، يخوض في كل التفاصيل، لا علاقة له بالقاموسي، بل باليومي العابر، يصنع لغته بنفسه، لا يستعير صوره، و لا يكررها، انّه كصيّادٍ يلقي شباكه في ايِّ مكان من البحر، و يحصدُ كلَّ ما يعلقُ فيها، يدعُ جملتَه الشعريّة تتعرّى أمام الوجود، امام الحياة، انّه شاعر الأمل، و لا تجد ذلك التشاؤم في كتاباته، يحاول ان تكون تجربته الشعرية إنعكاسا لتجربته اليومية، منحازةً الى روعة الحياة، بعيدةً عن التشاؤم، حيث حوّل الكتابةَ الى خيار له، الى حياة أخرى تماهي الحياة التي يعيشها، يبني مفهومَه للتجدد على الحدس، و كأنّه يحوّل هذا الحدس الى دينمو للتجديد، يجعل من لغته الشعرية، تحتفي بالميتالغة بصورة مثيرة، انّه يتوخّى المدهشَ و المثيرَ في اليومي العابر الذي يتحوّلُ الى لغةٍ غاويّة، تشدُّ المتلقي، بصورة سريعة متجددة منتوعة، كينبوعٍ ماء متدفق، تقف على جدارنه، أسراب الطيور، و قطعان من الدبب، و تشرب منه النسور، وهو ينظر اليها من نافذة قريبة جدا و من مكان غير معروف و لا محدد، لأنّه يقف في منطقة الشعر، هذه المنطقة التي لا يصلها غير الشاعر الحاذق، يتكّأ على حائطها، ليرى مخلوقاته التي خلقها عبر لغة خاصة به، إنّها ماركةٌ مسجلةٌ بإسمه دون غيره، من يتتبع كتاباته الشعرية يجد مفارقة ملفتة، ألا وهي إنّه يسعى الى مفهوم الكتابة، ايّ الكتابة المطلقة، غير المحددة بسمة ما، تلك التي تحوّل قصيدتَه الى لعبة لغوية، من خلال توظيفه للمحسانات البديعية  خاصة من استعارات ماكرة ومخادعة، توريات لها مقاصد عميقة، من خلال مفارقات ترتقي بالصورة الشعرية فضلا عن الجملة الشعرية الى صور تكون أكثر إثارة، وأكثر دهشة و أكثر اختلافا و غرائبية، اللغة التي يتخذها تبتعد عن أساليب البلاغة المعقدة، لأنها لغة العابر اليومي، التي تحتفي بها شعريته، شعرية اللحظة الآنية، شعرية الكتابة، دون قوالب معدة سلفا، من يقرأ كتاباته بدقة و بتفحص حقيقي يجد انّه لا يتبع أسلوبا معينا، سواءا أ كان ذلك الأسلوب قصيدة نثر، ام شعر حر على غرار نموذج جبرا ابراهيم جبرا، لكن يجعل الكتابة هي ميدان إبداعه و ليأتي النص كما يأتي، اي أنّه لا يخطط نوعية نصوصه، بل يتركها هي من يحدد القالبَ الذي تستقر به، انّه يترك العنان لشعريته و لقاموسه المتشظي و لشاعريته الكبيرة، كأحد أعضاء جماعة شعرية تركت بصماتِها على الأدبين العراقي و العربي، هذا التوجه خلق لغته الخاصة، و أسلوبه الخاص، و طريقته في التعاطي مع جملته الشعرية و مع مفهوم الكتابة بشكل عام، و هي احد سمات هذه الجماعة و أقصد جماعة كركوك و التي بدأت مشوارها بإن ضَربتْ عُرضَ الحائط بكل التجديد الذي جاء بهم روّاد قصيدة التفعيلة، و هذا ما ترجمه صلاح فائق عملياّ، من خلال نصوصهِ و دواوينه الشعرية المختلفة، كلُّ نص له لغة خاصة، و فكرة غريبة غير مطروقة، يعالجها بشكل عفوي رصين، تاركاً موهبته هي من يحدد وجهة جملته الشعرية سابغاً عليها ثقافته العريضة، و اطلاعه الواسع على الأدب الإنكليزي و قراءاته المتنوعة، و التي تركت آثارها على شعره بشكل جلي، انّه شاعر الغرائبي و المختلف و اليومي و العابر، لا تقف مخيلته عند حدود ما، بل يتركها الى سعة المطلق، ثم يعكس هذا بصورة شعرية غير مسبوقة، لها بريق أخاذ، و روعة صياغة نادرة، تقف في منطقة واحدة هي الكتابة؛

شعرية سركون بولص

من يقرأ شعر سركون بولص سوف يتملّسُ ذلك التأثّر الواضح بالشعر الأنكلوأمريكي، سواءاً من خلال أصدقائه من الشعراء الأمريكين، جيل البيتنكس في الشعر الأميركي، أمثال ألن بيتنيكس، غينسبرغ، جاك كيروك، غريغوري كورسو، بوب كوفمن، لورنس فيرلينغيتي، و غاري سنايدر، و الذين ألتقاهم بعد قدومه الى الولايات المتحدة 1969 و عقد صداقات معهم، كان هذا التأثر بالأسلوب الصياغيّ للجملة الشعرية من جهة و من انفتاح موضوعات الشعر التي تناولها، فالمعروف عن الشعر الأنكلوأمريكي، هي تمسكه في اللغة القاموسية البعيدة عن الحشو و الزوائد او الإستفاضات، فجاءت لغة سركون متناغمة مع هذه التقنية الكتابية، و الأسلوبية الشعريّة، من الصعب بمكان انْ تجدَ زوائدَ او حشو في كتابات سركون الشعريّة، إنّه يكتفي بما تنقلُه الصورةُ عن طريق اللغة، كمَنْ يُصوّر بعدسة كاميرا، و انْ يتركَ هاجسَ الإلهام يأخذُ مداه في اللحظة الشعريّة، لا يرتّب لشئ سلفاً، أستطيع القول إنّ سركون عاش الشعر و كتبهُ، فحياتُه أقرب الى البويهميّة، أعرفه عن كثب، زارني في بيتي و زرته في بيته ايضاً، يكتب شعره ثم يتركه على الطاولات، أو عند الأصدقاء ، كانت تقنيّاته الكتابيّة في مجاميعه الأولى متلبسةً بالفكرة كثيرا ثم فجأة يتحوّلُ الى الصورة، بينما نرى إنّ تقنيتَه الكتابيّة و تكنيكَه الشعريّ في المجموعتين الثانيَة والثالثة قد تحوّل بالكامل نحو الحسيّة، و مما يلاحظ  في دواوينه الأولى هو توظيفه للتراث العربي شعراً، و قد وقف مثلاً عند أمرئ القيس و النابغة الذبياني، و أُعجبَ أيّما أعجاب بعمرو بن أبي ربيعة، كان هؤلاء مواضيعاً لقصائدهِ في بدايات انطلاقتهِ الشعريّة، حيث عَمِدَ الى توظيف هذه الشخصيات بشكل درامي في أكثر من قصيدة من قصائد دواوينه الأولى و في هذا يقول ( أحيانا أجد نفسي أفكر بشروط زمانيّة معينة وتعطيني حسّاً ثابتاً لتواريخ معيّنة، وأحياناً ارتبطُ مع التاريخ والتراث بشكل اعتباطي وليس شرطيا أبدا)

  و افضل مثال على هذا هو قصيدته أمرئ القيس في طريقه الى الجحيم، و في هذا يقول ( أنا أريد أن أضرب في أعماق الوعي العربي بصوت لم يعهده قاريء هذا الشعر الذي نسميه الشعر العربي ، ومع ذلك أعتقد أنني ألبّي دعوة مضمرة في قصائد أعظم شعراء التراث العربي وهم برأيّ إمرؤ القيس ، عمر بن أبي ربيعة ، أبو تمام ، المتنبي ، أبو نؤاس ، المعري ، وأبن الرومي)

 في بدايته الأولى أيضاً ظلّ ملازماً لجبرا أبراهيم جبرا و الذي ترك بصمة واضحة على ثقافته، و في هذا يقول ( كان جبرا أبا روحيّاً بالنسبة لي وكنتُ أتحدث معه لأنه كان واحدا من العقول النيّرة التي استطيع أن أتحدث معها عن اكتشافاتي في الأدب العالمي التي كنت أقرأه بنهم وكنت مذهولا بالأدب الغربي)

 وكان جبرا ابراهيم جبرا الكاتب والمترجم والشاعر شخصية فذة، و مما لا شكل فيه انّ إتقان سركون  للترجمة عن الإنكليزية ترك بصمات واضحة في ثقافته الشعرية و كانت يستفيد بشكل لا أرادي من هذه الترجمات حيث تتحوّل الى أفكار و تقنيات و تكنيك يتخزنها عقله الباطن ثم يطلقها لحظة كتابته لنصوصه و في هذا يقول( ويقود هذا التمرين أحيانا الى تجاوز نفسك واللغة لإختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية وكل هذا طبعا يؤثر في النهاية عليّ كشاعر عندما أكتب)

 لم تكن  قصيدة النثر بالنسبة اليه مجرد شكليات أو مجرد تقنيات بل طاقة عاطفية، فتقنيات هذا اللون من الشعر ابتعدت عن التقنيات التقليدية الغنائية، بل هي حسب بولص ( تستغل وتغرف من كل الروافد ومن كل الأنهار ومن طرائق الكتابة المقالية وتغرف من الكتابة الدينية ومن النص الصوفي ومن العلم ومن السينما والباليه والرقص وربما هذا الذي يشكل إيقاع قصيدة النثر)

  و مما يلاحظ أيضا في تقنيات و تكنيك كتابات بولص هو تقنية المقابلة تلك التي تقوم على تقابل الأشياء و تصادمها و كأنّه منشغلاً في استنطاق الأشياء كلاميّاً، و من أهم ما يلاحظ على بولص هو تطويره لتقنياته في الكتابة الشعريّة تبعا لتطوره ثقافياً متأثرا في الثقافية الأنكلوأمريكية و التي تركت آثارا واضحة على تقنياته و تكنينه الشعري، حيث نراه قد إبتعد كثيرا عن اعتماده على الصورة بشكل كبير في مجاميعه الأولى و في هذا يقول (كنت منذهلا بالصورة في ذلك الوقت، وبصورة مبسطة أكثر كانت الصورة المكثفة بالنسبة لي آنذاك هي جواز المرور الى عالم اللاوعي وكنت مندهشا وأفكر صوريّا )

لكننا نرى أن هذا قد تغيّر بتغيير و تطور ثقافته و في هذا يقول (ووجدت نفسي في الكتاب الثاني أتخلص من الصورة قدر الإمكان، وأبسطها حيث إنّ الصورة تخدم شيئا آخر هو الحالة أو المشهد الشعري الداخلي الذي ينظر اليه كمرجع للخارج أي في الحياة المدرة والمتدفقة)

 تبقى تجربة سركون بولص واحدة من أهم تجارب جماعة كركوك بتنوعها و غناها الثقافي و بما تركته من أثر على الأجيال الشعرية العراقية و العربية اللآحقة،

المشـاهدات 13   تاريخ الإضافـة 17/01/2026   رقم المحتوى 69853
أضف تقييـم