الإثنين 2026/1/19 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 6.95 مئويـة
نيوز بار
عبد الحق رحمون سيكولوجية صوفيَّة
عبد الحق رحمون سيكولوجية صوفيَّة
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

ناصر أبوعون

[الواقف أمام البحر/كالألف شاسع المعنى/ تُقرع له الطبولُ قاطبةً/ ولا تتعرّى لُجة الحيارى][النبع من جاء إلى البحر/ النبعُ بحر قديم/ مخفيٌّ في سُتْرةِ نبيّ/ مخفيٌّ في كتاب الأسرار]؛ ربّما هذا المقطع من ديوان (ودثَّرتني) للشاعر المغربي عبد الحق رحمون يُعدّ مدخلًا كاشفًا وتمهيديًّا لقراءة تجربته الشعرية من زاويتين: (علم نفس الأدب)، و(السيكولوجية الصوفية).

أيها القاريء قف على طلل الحداثة مع عبد الحق رحمون وأغمض عينيك واقرأ بقلبك، وألقِ دلوك في أعماق النفس،واستخرج المعاني البكر، ولا يخدعنَّك سطح اللغة البراق، حتى لا تفقد البوصلة، وتدثر معه في بُرْدة المطلق، وادْنُ وتدلّى من سدرة كبريائك، وأدخِلْ ذاتك في ذاته العرفانية وتأمّل بوعي عميق، وعالجْ أوجاعك بالشعر  (Catharsis)

في ديوان (ودثّرتني) للشاعر المغربي عبد الحق رحمون انشقاقٌ وجوديّ، وبحثٌ مُضْنٍ عن الذات الحائرة في مرايا الطبيعة، وستجد نفسك في مواجهة أفراسٍ من الصور الشعريّة أطلقها رحمون من قيدها، لتفريغ حالة التوتر الداخليّ، وللكشف عن الطبقات الرسوبية للذات العميقة. ومن منظور علم نفس الأدب سنجد ذات الشاعر في حالة وقفة وجوديّة أمام المطلق؛ حيث يتحول (النبع، والمطر، والغيم، والبحر) إلى تجليّات للاوعي الكونيّ.

وما يلفت النظر في قصائد هذا الديوان وقوفها في المنطقة الوسطى ما بين التصوف كتجربة روحية، وعلم النفس كقراءة لأعماق الذات، وقفة يعيد من خلالها رحمون إنتاج المقامات الصوفيّة لأساطين الوجد الصوفيّ العربيّ (الصحو، والحيرة، والاشتطاح، والذّوق)، ولكن بلغة شعرية حداثويّة تسعى إلى تطهير الذات.

في هذا الديوان يتقاطع عبد الحق رحمون مع ابن عربيّ في (الوقوف أمام المطلق) في قوله:[الواقف أمام البحر كالألف شاسع المعنى]؛ فالوقوف أمام البحر عند رحمون يقابله وقوف ابن عربيّ أمام الذات الإلهية العليا؛ حيث تعجز اللغة ويبقى الشهود. ومن وجهة نظر سيكولوجية نجد أنفسنا أمام ذوبان حدود الأنا، وانتقال من الوعي التفريقيّ إلى وعي الوَحدة؛ ففي قوله: (كالألف شاسع المعنى) نقبض على تجربة تفرّد وجودي كاملة و(الألف) هنا تُوازي الواحد الذي لا يتكرر عند ابن عربي.

وعلى منحى آخر نجد عبد الحق رحمون يتقاطع مع أبي القاسم النفّري في المواقف والمخاطبات، وتتبدّى المعرفة محجوبةً ومرهونة بالكشف، غير أنّ الإمساك بها يحتاج إلى تجاوز العقل؛ فـ[النبع بحرٌ قديم/ بحر مخفيٌّ في كتاب الأسرار]، والنبع معرفة مكتومة. وتعبير عن خوف مقدّس من فيض المعاني، وحاجز داخليّ يقف حائلا بين الشعور واللاوعي، واتساع للرؤية يقابله ضيق في الجملة الشعرية، - من وجهة نظر علم نفس الأدب- وهذا يؤشر على عجز اللغة عن احتواء التجربة الشعرية. وفي هذا التعبير يتجلَّى عبد الحق رحمون في أعلى مراتب الاكتمال النفسيّ  في تقاطعه مع (رابعة العدوية) في تصويره (العذوبة) [العذوبة معرفة بالقلب]، حيث تتقاطع هذه الصورة مع مفهوم (الذوق) عند رابعة العدوية حيث تُدْرَك المعرفة بقلب المُحِب، لا بعقله. أمّا سيكولوجيا فنجد أنفسنا أمام تجربة عاطفية عليا الحب فيها غير مشروط، ويذوب الخوف فيها.

ومن زاوية أخرى لاحظنا تقاطع تجربة عبد الحق رحمون مع تجربة (الحلاج) في (الرقص والاشتطاح) في قوله: [لا تركض.. بل اشطح ليركع قلبك]؛ وهنا تفجّرت اللغة تحت ضغط الحالة الروحيّة، وفي هذا التعبير يقودنا رحمون إلى (مقام الاشتطاح) عند الحلاج؛ ليجيب على سؤال: كيف تتولّد الصو الشعرية؟ ويمكننا الإجابة نيابةً عنه بالقول: إنه في لحظة التوحّد القصوى، تتحرر الطاقة الوجدانية المكبوتة، وتتجاوز ضوابط الأنا فتتولد الصور كأفعال نفسيّة لا كصِنْعَة بلاغيّة.

وعلى ناصية أخرى نجد عبد الحق رحمون يتقاطع مع (الجنيد بن محمد النهاوندي) في مقام (الصحو) حين يقول: [ذاع بيننا صمت الألفة]؛ حيث يعود العارف إلى العالم بعد الفناء، حاملًا صمتًا ممتلئًا بالحكمة لا يحتاج إلى كلام. وسيكولوجيا يكشف لنا رحمون عن تصالحه مع الذاكرة الأولى للوجود، والتكامل المعرفيّ ما بين الوعي واللاوعي؛ فقوله: [ذاع بيننا صمت الألفة/ حسبناه صفحات من صحيفتنا الأولى] يكشف لنا عبر رجوعه إلى الذاكرة البَدْئِيّة التي سبقت التَّشَكُّلَ اللغويّ للذات: أنّ الصمت ليس غيابا للغة بل اِمْتلاءٌ دِلاليّ، وتعبير عن حنين اللحظة الأولى للوجود أيام كان الإنسان مُتَحدًا مع الوجود.

وفي قول عبد الحق رحمون:[النبعُ بحرٌ قديم/ مخفيٌّ في سُتْرَةِ نبيّ/ مخفيٌّ في كتاب الأسرار] إشارة إلى الذاكرة الداخليّة والأسرار، أو الذاكرة الرمزيّة بتعبير علم نفس الأدب؛ فـ(النبع) لا يشير إلى البداية فقط، بل إلى حكمة قديمة مكنونة في الذات. ومن ثَمَّ أخفى عبد الحق رحمون المعنى في (سُترة النبيّ)، وبين صفحات (كتاب الأسرار) أو ما يسميه فرويد بـ(الكبت المقدس)، الذي يحُولُ دون انكشاف المعنى إلا في لحظات التَّجلي.

المشـاهدات 24   تاريخ الإضافـة 18/01/2026   رقم المحتوى 69893
أضف تقييـم