كتاب جديد للقاص محمد الكاظم
قراءة سوسيو-ثقافية في "كتاب آكلي الحَوّ"![]() |
| كتاب جديد للقاص محمد الكاظم قراءة سوسيو-ثقافية في "كتاب آكلي الحَوّ" |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
حيدر ناشي
حين يشرع القاص العراقي محمد الكاظم في تدوين عالمه الجديد (كتاب آكلي الحَوّ المعروف خطأ باسم المنمنمة الآسيوية)، فإنه لا يكتب مجرد قصص قصيرة، بل يمارس طقساً لترميم ذاكرة جمعية مهددة بالزوال. إن المهاد الذي يفتتح به الكاظم كتابه ليس مجرد تمهيد عابر، بل هو بيان الوجود لطائفة سردية مخترعة، يسميها "طائفة الهوام الحبابين المسحوقين"، وهي تسمية مشحونة بالدلالات السيميائية التي تحيل إلى الكائنات الهامشية التي تقتات على ما يتيسر، لكنها تحمل في أحشائها إرثاً من الأسفار المقدسة والمدونات الضائعة والغضب المكبوت. محمد الكاظم قاص وأديب عراقي، يُعد من الأصوات السردية التي اختطت لنفسها مساراً مغايراً في المشهد القصصي المعاصر عبر اشتغاله الدؤوب في مختبره النوعي الخاص، وعلى شخصياته المركبة التي تعيش بين سطوره. عُرف الكاظم بميله نحو التجريب الواعي، حيث لا يكتفي بالحكاية في إطارها التقليدي، بل يحولها إلى فعل معرفي يبحث في طبقات الذاكرة، والتاريخ، والتحولات السوسيو-ثقافية للإنسان العراقي الذي يأخذ الكثير من المساحة في معظم أعمال محمد الكاظم السابقة. يبدأ ذلك الكتاب الصادر عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب بمواجهة حادة مع القارئ ومع المخيال العربي التقليدي. بجملة يقول فيها الكاتب: "لسنا عناترة حقيقيين"، حيث يفكك الكاتب أسطورة عنترة بن شداد التي تسكن غلاف الكتاب وتوحي بالبطولة والصلابة. إنه يقدم ما يشبه بديلاً: "كتاب اللوياثان الأنيق" أو "كتاب الفرد". هذه انعطافة مظللة أخرى وفخ سردي آخر يضعه الكاتب، فهنا يبرز مفهوم "اللوياثان" (الوحش البحري الأسطوري)، لكنه ليس وحشاً للسلطة أو القمع فقط كما في فلسفة توماس هوبز، بل هو وحش أنيق يجاور الفرد المستوحد. أو ربما هو وحش السلطة الذي يرتدي بدلة أنيقة ويمارس الخداع محاولاً إخفاء بهيميته بقفازات الحرير، وهي إحالات تبطن كماً كبيراً من السخرية المبطنة والنقد. إن هذه الطائفة التي يتحدث عنها الكاظم، "طائفة الفرد الواحد"، هي تعبير صارخ عن حالة الاغتراب المعاصر. الإنسان هنا هو الطائفة، وهو الهامش، وهو الذي يعيش فيما يسميه "السواد الفاحم" ولا ندري إذا كانت تلك الإشارة تعني ارض السواد، أم اللون الأسود والأحزان السرمدية. ام الى لون الحبر الذي تكتب به تلك المدونة. لا يقدم الكاظم فرساناً، بل مخلوقات سردية "هوامٌ مسحوقون ومنتوفون ومتأتئون"، والتاءات المتكررة هنا تعكس العجز عن النطق الكامل، والتعثر في مسيرة التاريخ، والوقوف في المسافة الفاصلة بين الكلمة ومعناها. ينتقل محمد الكاظم في مِهاده غير المألوف إلى رصد التحول التكنولوجي وأثره على الروح الإنسانية. ويصف طائفته بأنها كانت تدفن مخاوفها بين سن قلم "الباركر" وانحناءات الخط الكوفي. هذا الارتباط الحميمي بالمادة (الورق والحبر والزخرفة) يمثل نوعاً من الحماية الروحية. الزخرفة هنا ليست حلية جمالية، بل هي طلسم يحمي الكاتب من مواجهة العالم العاري. لكن الكارثة تقع حين ينتقل هذا الفعل السردي إلى عالم الكومبيوتر. يرى كاتب ذلك التمهيد السردي الذي يشبه بياناً أن الضغط على زر المحو والإلغاء لا يمنح الأمان الذي كان يمنحه الشطب اليدوي. في العالم الرقمي، تظل الهسهسة والفحيح والنميمة تلاحق الفرد. إن الماضي في هذا العمل ليس ذكرى، بل هو شبح ونشّال وسعلاة (كائن خرافي) يهدد الحاضر. هذا الانتقال من المنمنمة اليدوية الدقيقة إلى الخوارزمية الباردة أفقَد الكلمات سحرها القديم وتأثيرها المقدس، مما حول الأسفار إلى مجرد نسخ مشكوك في صحتها. نص مثير للخيال لا ندري إن كان الكاتب يتحدث فيه عن نفسه على عادة صفحات التمهيد التي ترد في بداية الكتب، أم انه اخترع بطلاً سردياً يقوم بالتمهيد لتلك النصوص. فالتمهيد هنا يبدو نصاً ادبياً مستقلاً مشحونا بالدلالات والرموز العميقة. يتعامل محمد الكاظم مع موضوعة الحرب باعتبارها عبثا، لا لأنها تقتل الأجساد فحسب، بل لأنها أتلفت المدونات والرصيد الرمزي للطائفة المتخيلة المصنوعة على الورق، بمعنى أنها تقتل الأرواح أيضا، وهنا تبرز المهمة الكبرى للكتاب: محاولة كتابة كتاب مقدس جديد لتلك الطائفة المكونة من شخص واحد هو الكاتب أو بديله. إن إشارة التمهيد الى عثور تلك الشخصية على صفحات من الأسفار القديمة تحت الرماد هو استعارة جادة للبحث عن الهوية العراقية الغائبة في ركام الحروب. احتوى الكتاب على أربعة أقسام من الناحية النظرية، لكن في الحقيقة هناك ثلاثة منها فقط، مع إشارة لقسم ختامي رابع غير موجود. الأقسام هي: (اسفار كتاب الطائفة، العهد القديم، العهد الجديد، العهد القادم)، وهي أقسام تحاكي المقدس لتؤكد على قدسية التجربة الإنسانية البسيطة. مع ملاحظة إن القسم الأخير الذي جاء في آخر الكتاب، هو قسم غير موجود وليس أكثر من عنوان مفتوح على كل الاحتمالات. طائفة (الهوام) ذات الفرد الواحد تطالب في ذلك الكتاب بحقها "الطحين والدواء والمدرسة"، فتتحول هذه المطالب الحياتية البسيطة إلى نصوص مقدسة. لكن المأساة تكتمل حين يختلف "الهوام" فيما بينهم حول ما يجب طمسه من الأسفار القديمة وما يجب إظهاره، وهو انعكاس للصراع على الذاكرة والتاريخ في مجتمعاتنا المحطمة. تسمية "آكلي الحَوّ" تحمل دلالة شعبية وعميقة. "الحَوّ" في الموروث قد يحيل إلى الهامشي والمتاح والضعيف والهش والمتيسر، لكن الكاتب يشير إلى أن الكتاب يسمى شعبياً لغرض التضليل بأسماء ضخمة مثل "كتاب الحيتان" أو "البهيموث". هذا التضاد بين "الهوام" و"الحيتان" هو جوهر اللعبة السردية عند محمد الكاظم؛ فيراد لنا أن نكون وحوشاً أو أبطالاً (عناترة)، بينما نحن في الحقيقة مجرد كائنات "مُتأتئين مسحوقين" نبحث عن فارزة صغيرة للنجاة. في قصص الكتاب، يطبق الكاظم فن المنمنمات حرفياً. هو لا يقدم حبكة عريضة، بل يراكم التفاصيل الدقيقة (زخارف الشرق القديم) ليصنع مشهداً كلياً. كل قصة هي بمثابة "انحناءة في الخط الكوفي المورق"، حيث يتم التعامل مع الكلمات بدقة كما يُجري التعامل مع "بهيمة عملاقة متوحشة". الشخصيات في الكتاب هم "أبناء طائفة الفرد الواحد"، يعانون من الوسواس القهري ومن "أشباح الماضي". إنهم يختبئون وراء طلاسم الألفاظ، ليس غموضاً بل اتقاءً للشر الكامن في الأشياء والمحيط. تؤمن طائفة الهوام بأن بينه وبين النجاة "مجرد فارزة صغيرة". هذه الفارزة هي الكتابة، هي الفاصل الذي يمنع الانهيار الكامل أمام قبح الواقع. و"كتاب آكلي الحَوّ" هو صرخة مكتومة، وصرخة متأتِئة لا تملك منبريّة العناترة، لكنها تملك صدق المسحوقين. إن هذا العمل يضع القصة القصيرة في مواجهة مع التاريخ، السلطة، والتكنولوجيا. إنه يعيد الاعتبار للرأسمال الرمزي الذي أتت عليه الحروب بكل أشكالها وعناوينها وشعاراتها، ويحاول ترميم ما لا يُرمم. محمد الكاظم، عبر هذا المنجز، يثبت أن السرد هو الطريقة الوحيدة لدفن المخاوف، وأن المنمنمة، رغم صغر حجمها، هي العالم الحقيقي حين يضيق بنا العالم الفسيح. إنه كتاب للذين يشعرون بأنهم "آكلو حَوّ"، للذين فقدوا أسفارهم ويبحثون عن عهد جديد يضمن لهم الحق في الوجود، وفي الطحين، وفي الكلمة الصادقة التي لم يلوثها فحيح العصر الرقمي. وقعقعة الإعلام والسلاح والألفاظ. يتميز مشروع محمد الكاظم الإبداعي بالقدرة على التقاط التفاصيل المجهرية وتحويل العادي واليومي إلى مادة فلسفية وثقافية مثقلة بالأسئلة، وهو ما تجلى في عمله الأخير (كتاب آكلي الحَوّ المعروف خطأ باسم المنمنمة الآسيوية (حيث زاوج في كتابته بين الحساسية الإنسانية العالية وبين التقنيات البصرية المستمدة من التراث الشرقي، المستفيدة من تكنلوجيا العصر ليقدم سردية تحتفي بالهامش"، وتحذر من اللوياثان القابع في المؤسسة، وتنتصر للكائن في لحظات انكساره وهشاشته أمام عصف التحولات الكبرى. |
| المشـاهدات 17 تاريخ الإضافـة 14/02/2026 رقم المحتوى 70532 |
توقيـت بغداد









