الإثنين 2026/2/23 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 13.95 مئويـة
نيوز بار
دولة أم نظام؟
دولة أم نظام؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب كتب رياض الفرطوسي
النـص :

 

 

 

 

في العراق، لم يعد السؤال سياسياً عابراً ولا جدلاً نظرياً بين نخب متخاصمة، بل صار سؤالاً وجودياً يمس معنى الدولة نفسها. هل نحن أمام دولة تحكمها المؤسسات والقانون، أم أمام نظام يحافظ على بقائه مهما تبدلت الوجوه والشعارات. هذا السؤال لا يُطرح في لحظات الفراغ فقط، بل يطل كلما اقترب استحقاق دستوري يفترض أن يكون عادياً، فإذا به يتحول إلى امتحان عسير لكيان البلاد كله.

 

كل أربع سنوات تقريباً يتكرر المشهد. فراغ سياسي طويل، مساومات خلف الأبواب المغلقة، تصريحات مشبعة بالطمأنينة المعلنة والقلق المضمر، ثم حكومة تولد بعد مخاض ثقيل، تبدو منذ يومها الأول امتداداً لما قبلها أكثر مما تبدو بداية جديدة. الزمن السياسي في العراق لا يسير إلى الأمام بقدر ما يدور حول نفسه، تتغير فيه المواقع، لكن قواعد اللعبة تبقى ثابتة لا تمس.

 

بما أننا نعتقد أن العراق دولة مؤسسات وقانون، فمن المفترض أن تسير استحقاقاته الدستورية بوصفها إجراءات طبيعية لا محطات قلق وانتظار. غير أن ما يحدث كلما اقترب موعد تشكيل الحكومة يكشف واقعاً مختلفاً، إذ يتحول المسار الدستوري إلى لحظة توتر ثقيل، وتبدو الدولة أقرب إلى توازنات دقيقة منها إلى نظام راسخ. فالدولة المستقرة لا تتحول فيها المواعيد الدستورية إلى اختبارات مصيرية، ولا يصبح اختيار رئيس الوزراء حدثاً يضع البلاد أمام احتمالات مفتوحة. وحين يحدث ذلك على نحو متكرر، فإن الخلل لا يكون في الأشخاص بقدر ما يكون في طبيعة البناء السياسي نفسه.

 

المؤسسات موجودة ، الدستور حاضر، الانتخابات تُجرى، والبرلمان ينعقد، والمحاكم تعمل، غير أن هذا الاكتمال الظاهري يخفي واقعاً مختلفاً. المشهد يبدو منظماً من الخارج، لكنه من الداخل محكوم بتوازنات القوى أكثر مما تحكمه النصوص. القانون حاضر، لكنه ليس دائماً صاحب الكلمة الأخيرة.

 

بعد أكثر من واحد وعشرين عاماً من التحولات القاسية، صار العراقي يعرف مسار الأزمات قبل أن تبدأ. يعرف كيف تنشأ، وكيف تتوسع، وكيف تُدار، وكيف تنتهي بتسوية تُقدَّم بوصفها انتصاراً للعقل والحكمة. وفي كل مرة يُقال إن النظام نجا من الخطر، بينما الذي ينجو في الحقيقة هو ترتيبه الداخلي، لا الدولة بمعناها الحقيقي.

 

المشكلة لم تكن يوماً في غياب النصوص، فالدساتير لا تصنع الدول ما لم تتحول إلى قواعد ملزمة للجميع. المشكلة أن السياسة بقيت أعلى صوتاً من القانون، وأن مراكز النفوذ ظلت أقوى من المؤسسات. لذلك تبدو الدولة أحياناً ساحة توازن بين قوى متعددة، لا مرجعية نهائية يحتكم إليها الجميع.

 

والأخطر أن الانسداد السياسي لم يعد استثناءً، بل صار جزءاً من دورة الحكم نفسها. تبدأ التوترات مبكراً، ترتفع حدتها مع الوقت، تصل إلى ذروة توحي بأن البلاد على شفا انهيار، ثم يظهر الحل في اللحظة الأخيرة. تتشكل الحكومة أخيراً، فيُعلن انتهاء الأزمة، بينما تكون الأزمة التالية قد وضعت بذرتها الأولى.

 

في مثل هذا الواقع، يصبح تغيير الأشخاص تفصيلاً محدود الأثر. يغادر مسؤول ويصعد آخر، تُعاد صياغة التحالفات، تُرفع شعارات جديدة، لكن البنية الأساسية تبقى كما هي. نظام قادر على امتصاص الصدمات، وعلى إعادة ترتيب نفسه، لكنه أقل قدرة على التحول إلى دولة مستقرة.

 

وهنا يعود السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، دولة أم نظام؟

 

إذا كانت الدولة هي التي تحكم، فإن الاستحقاقات الدستورية تمضي بهدوء، سواء حضر الرئيس أم غاب، وسواء تغيّر رئيس الوزراء أم بقي، لأن المؤسسات وحدها هي التي تضمن الاستمرار. أما إذا كان الذي يحكم هو النظام، فإن الصورة تختلف تماماً. عندها لا يعود البرلمان سوى تجمع مندوبين أكثر منهم ممثلين حقيقيين، تتحرك قراراتهم وفق إرادة رؤساء الكتل، وتخضع الكتل بدورها لسلطة قادة الأحزاب، حيث تتشابك الولاءات بين أحزاب وعشائر وقبائل وأعراف وتيارات ومصالح وقوى نافذة، فتغدو الدولة ساحة جذب بين مرجعيات سياسية متعددة لا مركز جامعاً لها. في مثل هذا الواقع يتحول كل استحقاق دستوري إلى أزمة مفتوحة، وتنتهي كل أزمة بتسوية تعيد ترتيب القوى نفسها، لا بتأسيس استقرار جديد.

 

العراق يقف منذ سنوات عند هذه النقطة الفاصلة. لا هو انتقل إلى دولة راسخة، ولا هو خرج من دائرة الأزمات المتكررة. وبين الحكومات التي تتبدل، والوجوه التي تتغير، يبقى السؤال معلقاً فوق المشهد كله، سؤالاً بسيطاً في صياغته، حاسماً في معناه:

 

هل نحن حقاً أمام دولة، أم مجرد نظام يعرف كيف يبقى.

المشـاهدات 29   تاريخ الإضافـة 23/02/2026   رقم المحتوى 70670
أضف تقييـم