الأحد 2026/4/5 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
المجتمع صانع التربية أم ضحيتها؟ قراءة ثقافية
المجتمع صانع التربية أم ضحيتها؟ قراءة ثقافية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. عصام البرّام
النـص :

تبدو العلاقة بين المجتمع والتربية علاقة جدلية معقدة، تتشابك فيها الأدوار وتختلط فيها الحدود بين الفاعل والمتأثر. فمن جهة، يُنظر إلى المجتمع باعتباره الحاضنة الكبرى التي تُشكّل منظومة القيم والمعايير، وتحدد ما ينبغي أن يكون عليه الأفراد من سلوك ومعرفة وانتماء. ومن جهة أخرى، تبدو التربية أحيانًا وكأنها الضحية الأولى لاختلالات المجتمع وتناقضاته، إذ تتأثر بمستوى وعيه وثقافته وأزماته الاقتصادية والسياسية. وبين هذين المنظورين تتشكل إشكالية عميقة تستحق التأمل: هل المجتمع هو الذي يصنع التربية فعلًا، أم أن التربية هي التي تعكس أزمات المجتمع وتدفع ثمنها؟ إن النظر إلى المجتمع بوصفه صانعًا للتربية ينبع من كونه الإطار العام الذي تتكون داخله المؤسسات التربوية، سواء كانت الأسرة أو المدرسة أو وسائل الإعلام أو غيرها من قنوات التنشئة. فالقيم التي يتبناها المجتمع، مثل احترام العلم أو تقديس العمل أو تقدير الحرية، تنعكس بشكل مباشر على المناهج التعليمية وعلى أساليب التنشئة. في مجتمع يقدّر التفكير النقدي مثلًا، نجد أن التربية تشجع على الحوار والانفتاح، بينما في مجتمع يهيمن عليه الخوف من الاختلاف، قد تتحول التربية إلى أداة لإعادة إنتاج نفس الأنماط الفكرية دون مساءلة. غير أن هذا التصور لا يكتمل دون الاعتراف بأن المجتمع ليس كيانًا ثابتًا أو متجانسًا، بل هو بنية ديناميكية تتأثر بعوامل متعددة ومتغيرة. فالتغيرات الاقتصادية، مثل ارتفاع معدلات الفقر أو البطالة، تترك أثرًا واضحًا على جودة التربية، حيث قد تضطر الأسر إلى إهمال الجانب التعليمي لصالح تأمين الاحتياجات الأساسية. كما أن التحولات السياسية قد تفرض توجهات معينة على النظام التعليمي، فتُستخدم التربية أحيانًا كأداة لتكريس أيديولوجيات محددة بدلًا من أن تكون مساحة حرة لبناء الإنسان. وفي هذا السياق، يمكن القول إن التربية تصبح ضحية حين يفشل المجتمع في تحقيق التوازن بين احتياجاته المادية وقيمه الإنسانية. فعندما تسود ثقافة الاستهلاك السريع والنجاح السطحي، تتراجع مكانة المعرفة العميقة، وتتحول العملية التعليمية إلى مجرد وسيلة للحصول على شهادة لا أكثر. وعندما تنتشر مظاهر الفساد أو المحسوبية، يفقد المتعلم الثقة في جدوى الاجتهاد، مما ينعكس سلبًا على دافعيته للتعلم. وهكذا تصبح التربية انعكاسًا مباشرًا لأمراض المجتمع، بدلًا من أن تكون وسيلة لعلاجها. لكن هل يعني ذلك أن التربية عاجزة تمامًا أمام تأثيرات المجتمع؟ الواقع يشير إلى أن العلاقة بين الطرفين ليست أحادية الاتجاه. فكما يؤثر المجتمع في التربية، تمتلك التربية بدورها القدرة على إعادة تشكيل المجتمع، وإن كان ذلك بشكل تدريجي وبطيء. فالتعليم الجيد يمكن أن يزرع بذور التغيير في عقول الأفراد، ويمنحهم أدوات التفكير النقدي التي تمكنهم من مساءلة الواقع والسعي إلى تحسينه. ومن هنا، تصبح التربية قوة فاعلة في إعادة بناء المجتمع، لا مجرد مرآة تعكس عيوبه. إن هذا الدور التحويلي للتربية يتجلى بوضوح في المجتمعات التي استثمرت في التعليم بوصفه مشروعًا وطنيًا طويل الأمد. ففي هذه الحالات، لم تكن التربية مجرد استجابة لواقع قائم، بل كانت أداة لتجاوزه وبناء واقع أفضل. فقد أسهمت في خلق أجيال أكثر وعيًا وقدرة على الابتكار، مما انعكس إيجابًا على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وهذا يؤكد أن التربية ليست بالضرورة ضحية، بل يمكن أن تكون فاعلًا رئيسيًا في تغيير قواعد اللعبة. مع ذلك، لا يمكن إغفال أن نجاح التربية في أداء هذا الدور يعتمد إلى حد كبير على مدى استقلاليتها عن الضغوط السلبية التي يفرضها المجتمع. فإذا كانت المؤسسات التعليمية خاضعة بالكامل لاعتبارات سياسية ضيقة أو لمصالح اقتصادية آنية، فإن قدرتها على إحداث التغيير تصبح محدودة. أما إذا توفرت لها مساحة من الحرية والدعم، فإنها تستطيع أن تقوم بدورها في تنمية الإنسان بشكل متكامل، بعيدًا عن الإملاءات الضيقة. من ناحية أخرى، تلعب الأسرة دورًا محوريًا في هذه المعادلة، باعتبارها الحلقة الأولى في سلسلة التربية. فالقيم التي يكتسبها الطفل داخل الأسرة تشكل الأساس الذي يُبنى عليه لاحقًا في المدرسة والمجتمع. وإذا كانت الأسرة تعاني من ضغوط اقتصادية أو من ضعف في الوعي التربوي، فإن ذلك ينعكس مباشرة على سلوك الأبناء واتجاهاتهم. وهنا يظهر مرة أخرى كيف أن المجتمع، من خلال ظروفه العامة، يؤثر في جودة التربية على المستوى الفردي. كما أن وسائل الإعلام الحديثة، بما تحمله من محتوى متنوع وسريع الانتشار، أصبحت لاعبًا أساسيًا في تشكيل الوعي التربوي. فهي قادرة على دعم القيم الإيجابية ونشر المعرفة، لكنها في الوقت ذاته قد تساهم في ترسيخ أنماط سلوكية سطحية أو مشوهة، خاصة في ظل غياب الرقابة الواعية. وهذا يعزز فكرة أن التربية لم تعد مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي نتاج تفاعل معقد بين عدة عوامل مجتمعية. في ضوء ما سبق، يمكن القول إن العلاقة بين المجتمع والتربية ليست علاقة خطية بسيطة، بل هي علاقة جدلية تتداخل فيها الأدوار. فالمجتمع يصنع التربية من خلال قيمه ومؤسساته، لكنه في الوقت نفسه قد يضعفها أو يشوهها حين يعاني من أزمات أو اختلالات. وفي المقابل، تمتلك التربية القدرة على إعادة تشكيل المجتمع، لكنها تحتاج إلى بيئة داعمة وإلى رؤية واضحة تستهدف بناء الإنسان لا مجرد تأهيله لسوق العمل. إن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق نوع من التوازن بين هذين البعدين، بحيث لا تكون التربية مجرد انعكاس سلبي لواقع المجتمع، ولا تكون منفصلة عنه بشكل يجعلها عاجزة عن التأثير فيه. وهذا يتطلب وعيًا جماعيًا بأهمية التعليم بوصفه استثمارًا في المستقبل، وليس مجرد مرحلة عابرة في حياة الفرد. كما يتطلب إرادة سياسية وثقافية تضع الإنسان في قلب عملية التنمية، وتدرك أن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح التربية. من هنا، قد يكون السؤال عن كون المجتمع صانعًا للتربية أم ضحيتها سؤالًا مفتوحًا بلا إجابة قاطعة، لكنه يظل مدخلًا مهمًا لفهم طبيعة العلاقة بين الإنسان وبيئته. فالتربية والمجتمع وجهان لعملة واحدة، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. وإذا أردنا بناء مجتمع أكثر عدلًا ووعيًا، فلا بد أن نعيد النظر في منظومتنا التربوية، وأن نمنحها المكانة التي تستحقها بوصفها حجر الأساس في أي مشروع حضاري. وإذا تأملنا مستقبل هذه العلاقة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، سنجد أن التحدي يزداد تعقيدًا، إذ لم تعد التربية محصورة في الفضاء التقليدي للمدرسة والأسرة، بل أصبحت تتشكل أيضًا عبر العالم الافتراضي بما يحمله من انفتاح غير مسبوق وتدفق هائل للمعلومات. هذا الواقع يفرض على المجتمع مسؤولية مضاعفة في توجيه هذا الفضاء بحيث يكون داعمًا للقيم التربوية لا هادمًا لها. كما يفرض على المؤسسات التعليمية أن تعيد النظر في أساليبها، وأن تنتقل من مجرد نقل المعرفة إلى بناء القدرة على التمييز والتحليل والاختيار. وفي هذا السياق، تصبح التربية مشروعًا مستمرًا لا ينتهي عند مرحلة عمرية معينة، بل يمتد طوال حياة الإنسان، متأثرًا بالمجتمع ومؤثرًا فيه في آن واحد. ومن هنا تتأكد الحاجة إلى شراكة حقيقية بين جميع مكونات المجتمع لصياغة رؤية تربوية قادرة على مواكبة العصر دون التفريط في الهوية.

المشـاهدات 110   تاريخ الإضافـة 05/04/2026   رقم المحتوى 70958
أضف تقييـم