الذات المنكسرة وتداعياتها في
عاشقات الحمام وعشاقهن![]() |
| الذات المنكسرة وتداعياتها في عاشقات الحمام وعشاقهن |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
د. سمير الخليل تمثّل مجموعة (عاشقات الحمام وعشاقهن) للقاصة (رجاء الجابري) ميلاً إلى عوالم تمزج الواقع بالخيال، وتتصدّى لمأزوميّة الواقع، واضطراب وقلق الشخصيّات الباحثة عن أحلامها وتطلعاتها، وتأسيس كينونتها الوجودية من خلال التصدّي للواقع والتناغم مع الآخر، غير أن هذا التوق الحُلمي غالباً ما يصطدم بالأزمات والإحباطات والمصّدات الناتجة أساساً عن واقع هش ومكتظ بالتناقضات. وعبر هذا المُعطى فإنَّ قصص المجموعة تعبّر في الأغلب الأعم عن ثنائية (الحلم والكابوس)، أو (الحقيقة والوهم)، وبين التوق الذي يمتلك الذات لتحقيق وجودها وسط واقع محتدم، ويمكن الاستدلال من خلال معاينة فكريّة وتحليليّة للقصص على أنَّ الذات الأنثوية المقهورة والمستلبة هي الشكل المهيمن على شخصيّات القصص عموماً، وعلى وفق هذا التوجّه فإنَّ الكاتبة تقدّم رؤية سردية وواقعية لمعاناة ومكابدة الذات الأنثوية في واقع ذكوري، وتقدّّم شخصيات أخرى تعيش حلمها، لكنّها تجد الواقع غير صالح للأحلام والتطلّعات . تنفرد القصص في هذه المجموعة بخصائص جمالية وفكريّة من خلال التعمّق في تقديم المعنى الإنساني الناتج عن الصراع بين الذات والمحيط، والذات والآخر، وتقدّم منظورات وزوايا متعدّدة، وبذلك تشكّلت تنويعات متباينة لرصد مأزومية الشخصيّات في خضم صراع اجتماعي وقيمي ووجودي، ولا تخلو القصص من إشارات ودلالات لأبعاد الواقع السياسي والاجتماعي والسايكولوجي، ولا يمكن إغفال النسق السايكولوجي المهيمن على أجواء القصص فهي تتعمّق في توصيف وتجسيد أعماق الشخصيّات وصراعاتها النفسيّة واضطرابها الداخلي، وهي تتصدّى لوقائع وأحداث تسير بالضد من نزوعها وتوقها. وهناك قصص أخرى فيها استلهام لثنائية الحلم والواقع أو الحلم والكابوس، ممّا ينتج بنية تقترب من روح ودلالات واشتغالات النسق الفانتازي لاسيما قصّة (عاشق الحمام ومعشوقته) التي حملت عنوان المجموعة مع تحوير قليل، وعبرت الإشارة السيميائية للعنوان بوصفه النّص الموازي عن نزعة العشق والسلوك العاطفي والحلم الرومانسي الذي يتحوّل إلى كابوس، ونهاية صادمة ، ونلحظ الشخصيّة المحوريّة أو عاشق الطيور ينتهي به الأمر إلى مستشفى الأمراض العقلية وبدلاً من أن تحيطهُ الطيور التي يعشقها وينفق عليها يجد نفسه محاطاً بمضمّدات وعمال المستشفى العقلي أو النفسي، ونكتشف في نهاية القصّة أنَّ البطل يعيش في دوّامة من الوهم، كما يظهر في المقطع الآتي : "الرجل الذي صار عمره الآن أربعاً وسبعين عاماً، ما زال يعتقد أنّه أحبّ فتاة مثل حمامة زاجل وعاش من أجلها، وإنّها وعدته باللّقاء في اليوم الثاني أمام حمّام النساء، لكنها لم تجيء بعدها، وما زال ينتظرها متصوّراً حمامات الزاجل تحيط به، وليس مضمدات الأمراض النفسية" (المجموعة: 74). ولا تخلو القصّة من استلهام رمزي، وتأطير إيحائي بوجود رمزيّة الطيور، والعشق والمرأة ورمزيّة مستشفى الأمراض النفسية الذي يحيل إلى واقع مضطرب، ويصوّر المكان الديستوبي الذي يحيط بالشخصيّة الحالمة، وعبّرت القصّة عن دلالات فكريّة تكشف عن التأزّم الداخلي والخارجي للشخصيّة وللمحيط الاجتماعي الذي يمثّل الفضاء الخارجي بكلّ تناقضاته ومفارقاته، وتشكّلت الفانتازيا، وعلى وفق هذا الاشتغال، ونشير إلى أنَّ الواقع عبارة عن نسق فانتازي نظراً لتناقضاته . ومن خصائص قصص المجموعة الفنيّة ميلها إلى الاختزال والتكثيف السردي، وتلك سمة تُحسب للقاصّة، فهي تمسك بموضوعة ومضمون القصّة بتركيز وتعمّق المسار أو المنظور السردي من دون الانزلاق إلى فائضية السرد أو إلى الاستطراد الذي يعيق انسيابيّة التدفّق، فالاقتصاد بالوصف والكلمات حقّق للقصص نوعاً من الجمال من خلال التركيز على بؤرة سرديّة منتجة للمعنى أو الهدف الذي تسعى إليه كلّ قصص المجموعة ، وهناك خصائص فنية تقتضي التنويه والإشادة منها البراعة والدقّة في انتقاء العنوان المعبّر الذي يمثّل في حقيقته المفتاح الجمالي أو التأويلي، أو الشفرة الأولى الموحية، ولذلك سمّيت العنوانات بالعتبات، وتعكس قصّة (بنفسجة الروح) كثيراً من الدلالات والإحالات التي أشرنا إليها، بدءاً من شعرية العنوان ودلالاته التي تعكس توقاً رومانسياً، يتحوّل إلى يقين وجودي لدى الشخصية المحورية في القصّة (رياحين) ، إذ نلحظ أنَّ القصّة تتمركز حول الدال المركزي المتمثّل بالأزهار والرياحين، وهي ترمز إلى الذات الأنثوية التي تتعرض إلى قمع واستلاب ذكوري وسياسي، لكنها تنتصر إلى الأنوثة الحقيقيّة من خلال التمرّد والرفض لسلوك (رافد) الرجل الذي يمثّل الطبقة الوصولية والانتهازية والنزعة الذكوريّة، وتروي القصّة عبر متنها الحكائي سيرة (رياحين) وهي "امرأة ثلاثينية ورثت صناعة العطور من أبيها وأضافت لها ما تعلّمته من دراستها لعلم النبات، إذ كانت تستخلص العطور من الزهور مباشرة وتعبئّها في علب لبيعها، تلك كانت مهنة متوارثة للعائلة" (المجموعة: 17). ويهيمن الحلم على (رياحين) لتوسيع تجارتها والحصول على المكان الذي يجعلها تبيع الأزهار على وفق طلبيّة كبيرة، وتكتشف أنّ الرجل الذي يمكن أن تتعاون معه هو (رافد) الذي سبق أن رفضت الزواج منه، ويطلب منها مقايضة غريبة بأن يمنحها (المشتل) أو المكان للعمل، مقابل العلاقة بزواج سرّي لكنها تقدّم موقفاً رافضاً وسلوكاً مناقضاً لسلوكه وأساليبه الدنيئة، عن طريق رسالة مفادها: "قد تستطيع أن تتحكم بالتجارة والزهور في السوق، واحتكار المشاتل لصالحك، لكنّ زهرة جسدي لن يحبسها مشتل حتى لو كان من ألماس"(المجموعة:19). ولعلّ هذه الجملة أو الرسالة حملت شفرة الرفض إذ تمثّل على وفق سنن السرد الجملة الدراميّة التي تختزل الشخصيّة والموقف والرسالة التي تختزل الشخصيّة والموقف والرسالة التي تتضمنها أو تنطوي عليها القصّة المنتجة لكثير من الإشارات التي تعبّر عن الواقع المتناقض والمحتدم، وانتشار ظواهر الفساد السياسي والاجتماعي والسايكولوجي، والانهيار القيمي، وقد نجحت المجموعة في تقديم الرصد الثنائي بين الحلم والكابوس وثنائية الجمال والقبح . |
| المشـاهدات 31 تاريخ الإضافـة 09/03/2026 رقم المحتوى 70776 |
أخبار مشـابهة![]() |
رمضان تغيير الذات لا تغيير نمط الطعام |
![]() |
تحقيق الاكتفاء الذاتي من طحين الصفر وفر 2.5 مليار دولار
|
![]() |
جسد المعنى وتشظّي الذات: قراءة ما بعد حداثية-ظاهراتية في قصيدة "لأنك لذّتي" لمنذر عبد الحر |
![]() |
ماذا بعد حادثة فنزويلا؟ قراءة سريعة في الأحداث وتداعياتها
|
![]() |
ثلاثية المحظور..
الدين والجنس والذات في مواجهة الكاتب |
توقيـت بغداد









