الأربعاء 2026/7/8 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 40.12 مئويـة
نيوز بار
صولة الفجر… هل بدأت الدولة أخيراً معركة استعادة العراق من الفساد؟ أم أننا أمام جولة جديدة من الصراع السياسي؟
صولة الفجر… هل بدأت الدولة أخيراً معركة استعادة العراق من الفساد؟ أم أننا أمام جولة جديدة من الصراع السياسي؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د.حيدر صبخي الجوراني
النـص :

 

 

 

منذ أكثر من عقدين، لم يكن الفساد في العراق مجرد مخالفات مالية أو تجاوزات إدارية، بل تحوّل إلى منظومة متكاملة أعادت تشكيل العلاقة بين السلطة والمال والنفوذ، حتى أصبح كثير من العراقيين ينظرون إليه بوصفه الخطر الأكبر الذي يهدد الدولة، متقدماً على كثير من التحديات الأمنية والسياسية.ولذلك، لم يكن مستغرباً أن تتصدر مكافحة الفساد مطالب المرجعية الدينية العليا، وأن تتحول إلى مطلب شعبى دائم، بعدما استنزف الفساد ثروات البلاد وأضعف مؤسساتها، وأفقد المواطن ثقته بالدولة.واليوم، ومع انطلاق عملية “صولة الفجر” التي يشرف عليها رئيس مجلس الوزراء السيد علي الزيدي، يعود السؤال الذي ينتظره العراقيون منذ سنوات طويلة: * هل دخل العراق فعلاً مرحلة اجتثاث الفساد؟ أم أننا أمام حملة مؤقتة لامتصاص الغضب الشعبي؟ * وهناك سؤال آخر أكثر عمقاً: هل تمثل هذه الحملة قراراً عراقياً مستقلاً، أم أنها جاءت أيضاً في سياق ضغوط دولية، ولا سيما بعد تشديد الرقابة المالية الدولية وإجراءات البنك الفدرالي الأمريكي المتعلقة بالنظام المالي العراقي؟إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب الابتعاد عن الخطاب العاطفي، والاقتراب من القراءة السياسية والواقعية.

مسارات الإصلاح ومعايير النجاح

 

لقد أثبتت تجارب مكافحة الفساد في العالم أن النجاح لا يتحقق بالاستعراض الإعلامي، ولا بعدد أوامر القبض، ولا بحجم المؤتمرات الصحفية، وإنما بإرادة سياسية تمتلك القدرة على الوصول إلى الرؤوس الكبيرة، لا الاكتفاء بمحاسبة الموظفين الصغار أو الواجهات التنفيذية. فالفساد في العراق لم يعد سلوكاً فردياً، بل أصبح منظومة مترابطة تشترك فيها شبكات سياسية وإدارية واقتصادية ومالية، الأمر الذي يجعل معالجته أكثر تعقيداً من مجرد اعتقال بضعة أشخاص.ولقد اطلعت على العديد من تجارب مكافحة الفساد، ووجدت أن هناك مسارين رئيسيين للإصلاح: المسار الأول (غسل الدرج من الأعلى إلى الأسفل):وهو المسار الذي يبدأ من أعلى الهرم الإداري داخل المؤسسة، ويصلح عادة للمؤسسات ذات البناء الإداري الواضح والمستقر. المسار الثاني (تجفيف منابع الفساد): وهو الطريق الأكثر فاعلية للواقع العراقي المختلف؛ إذ إن الفساد أصبح منظومة ممتدة تتجاوز حدود الوزارة أو الهيئة وتتداخل فيها المصالح. ويعتمد هذا المسار على تفكيك الشبكات التنفيذية، وكشف أدواتها، وتتبع مصادر التمويل، وصولاً إلى من يقف خلفها، سواء كان مسؤولاً أو رجل أعمال أو جهة نافذة، شرط أن يكون ذلك وفق القانون والقضاء والأدلة، لا وفق الانتقائية أو الخصومات السياسية.وهنا يكمن معيار نجاح "صولة الفجر"؛ فإذا استمرت الحملة حتى تصل إلى جميع المتورطين دون تمييز، فإنها ستكون بداية التحول الحقيقي الذي انتظره العراقيون سنوات طويلة. أما إذا توقفت عند حدود معينة، أو استثنت جهات بعينها، أو تحولت إلى وسيلة لتصفية الخصوم، فإنها ستفقد مشروعيتها الشعبية سريعاً.

 

التناقضات الميدانية وعلامات الاستفهام

 

في مقابل هذه الطموحات، تبرز على السطح سلوكيات ومؤشرات تثير الريبة حول مدى جدية هذه المعركة؛ ومن الغريب حقاً ما نلاحظه من زيارات متكررة يقوم بها رئيس الوزراء علي الزيدي لمجالس العزاء الحسيني لدى قادة الكتل المتهمة بالفساد ،والتي تحوم حولهم وحول دوائرهم تهم فساد كبرى.إن هذه اللقاءات والزيارات المتكررة تعكس تناقضاً صارخاً مع مسارات "صولة الفجر"، وتُعطي انطباعاً بعدم جدية رئيس الوزراء في ملاحقة "حيتان الفساد" الرابضة في قمة الهرم السياسي، فضلاً عما يمثله هذا التصرف من استخفاف واضح بمشاعر وتذمر الشعب العراقي الصابر من رعاة الفساد وحماته.ولا يتوقف الأمر عند حدود المجاملات السياسية، بل يتعداه إلى الكواليس المظلمة؛ إذ تدور اليوم *تسريبات إعلامية وسياسية* من شخصيات مطلعة تؤكد أن رئيس الوزراء قد توصل بالفعل إلى "اتفاقات تسوية" مع قادة الكتل السياسية والأحزاب الذين يمتلكون أذرعاً واقتصاديات ضخمة. وتقضي هذه التسريبات بأن يقوم هؤلاء بتقديم مليارات الدولارات لخزينة الدولة مقابل عدم المساس بهم أو ملاحقتهم قضائياً.  إن هذه الخطوة المزعومة، والتي تتشابه في آلياتها مع خطوة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كتمهيد لتجفيف منابع الفساد لاحقاً، تستحق منا وقفة جادة وتأملاً عميقاً.ورغم أننا لا نملك حتى الآن تأكيدات قاطعة حول مدى صحة هذه التسريبات، إلا أن الأيام القادمة كفيلة بكشف المستور. فإن صحت هذه الأنباء، فإنها ستكشف عن حجم الالتفاء والالتواء حول أهداف "صولة الفجر" نتيجة للضغوط الداخلية والخارجية، وتؤشر بوضوح إلى تبخر الشعارات الكبرى للحملة وتحولها من معركة قانونية حاسمة إلى مجرد صفقة سياسية جديدة.

 

 

المسؤولية الجماعية والمتغير الدولي

 

لا يجوز اختزال الفساد في حزب أو مكون أو تيار سياسي بعينه؛ فالجميع شارك في إدارة الدولة بعد عام 2003، والجميع يتحمل بدرجات متفاوتة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، سواء بالفعل المباشر، أو بالصمت، أو بالتستر، أو بالعجز عن الإصلاح. ومن هنا فإن مكافحة الفساد ينبغي أن تكون معركة ضد الظاهرة، لا ضد الأشخاص فقط.وفي الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل المتغيرات الدولية التي أحاطت بالملف المالي العراقي خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما تشديد الرقابة على حركة الأموال والتحويلات الخارجية، والإجراءات المتعلقة بالقطاع المصرفي. وهذه التطورات تطرح تساؤلات سياسية مشروعة حول مدى تأثير البيئة الدولية في دفع السلطات العراقية نحو تشديد إجراءاتها في مكافحة الفساد وتعزيز الرقابة المالية.ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الباحثين والمراقبين: إلى أي مدى أسهمت هذه المتغيرات الخارجية في تسريع وتيرة الحملة؟ وأين ينتهي أثر الضغوط الدولية، وأين يبدأ القرار الوطني المستقل؟ وهي أسئلة تستحق الدراسة الهادئة بعيداً عن الأحكام المسبقة.

 

الخاتمة: الامتحان الحقيقي

 

إن المعركة الحقيقية لن تُحسم باعتقال هذا المسؤول أو ذاك، أو بعقد صفقات مالية خلف الكواليس، بل عندما يشعر المواطن بأن القانون أصبح أعلى من الحزب، وأقوى من النفوذ، وأن المال العام لم يعد غنيمة تتقاسمها مراكز القوة بتسويات سياسية.فالعراق لا يحتاج إلى حملة إعلامية تنتهي بانتهاء الضجيج، بل يحتاج إلى مشروع وطني دائم يعيد بناء الدولة على أساس النزاهة وسيادة القانون والمساءلة.إن التاريخ لن يتذكر عدد المؤتمرات الصحفية، ولا حجم التصريحات، وإنما سيتذكر نتيجة واحدة فقط: هل استعادت الدولة هيبتها واستعادت أموال العراقيين؟ذلك هو الامتحان الحقيقي لـ “صولة الفجر”، وهو الامتحان الذي سيحدد إن كانت بداية لعهد جديد في مكافحة الفساد، أم مجرد محطة أخرى في سجل طويل من الوعود التي لم تكتمل.

المشـاهدات 47   تاريخ الإضافـة 07/07/2026   رقم المحتوى 72037
أضف تقييـم