| النـص : حين تدفقنا إلى مصلى طهران في ذلك الصباح القائظ من حزيران عام 1989، لم نكن نسير على الأرض، بل كانت الأرض تموج تحت أقدامنا كبحر لجّي غاضب. كنتُ هناك، أتنفس الهواء المثقل برائحة الورد والدموع والتراب الإيراني، مقيماً وسط شعبٍ كان يرى في هذا الرجل الساكن في نعشه الزجاجي المرفوع على حاويات الفولاذ أكثر من مجرد زعيم سياسي أو مرجع ديني؛ كان روحاً بُعثت في جسد أمة عانت عقوداً من الاستلاب والتبعية الشاهنشاهية ظن العالم أنها لا تزول. في تلك اللحظات التاريخية، تلاشت المسافات بين الواقع والأسطورة. رأيتُ بأم عيني بشراً يقذفون بأنفسهم نحو طائرة مروحية عسكرية كالفراش الذي يبحث عن النور، في مشهد انخرطت فيه الملايين في هستيريا عشق وحزن جماعي لم يسجل له التاريخ الحديث مثيلاً، حتى اختلطت فيه صرخات الفجيعة بأصوات تلاوة القرآن التي كانت تدوي من مآذن طهران وأحيائها.
كان ذلك المشهد البانورامي الاستثنائي، الذي دخل موسوعة "غينيس" بسدس سكان البلاد، رداً حاسماً على كل النظريات الغربية التي طالما عجزت عن فهم كنه هذه الثورة. أتذكر ما قاله الأستاذ محمد حسنين هيكل حين التقى الإمام الخميني؛ لقد رأى فيه كوكباً من عالم آخر، رجلاً زاهداً أطل من التاريخ السحيق ليقلب معادلات الحاضر، يملك قوة صامتة قادرة على تحريك الملايين بنظرة واحدة. كان الغرب، عبر مراكزه الاستخباراتية وشاشاته، يراهن على أن رحيل مؤسس نظام "ولاية الفقيه" سيكون لحظة السقوط الحتمية للهيكل بأكمله. لكن تلك الأمواج البشرية التي كانت تحاور الجثمان بنحيبها وهي تصرخ بالفارسية في وداع مدمٍ: "يا حسين، لقد أخذوك منا.. من الصعب تحمل هذا الحزن.. والله لا نعرف كيف نودعك، لا يمكننا تصديق أنك لم تعد بيننا"، لم تكن تشيع جسداً، بل كانت تعلن للعالم ولادة عقيدة سياسية وتاريخية صلبة، وتجدد بيعة الدم التي مهدت لصعود السيد علي الخامنئي ليكمل المسيرة وسط حقول الألغام الإقليمية والدولية.
واليوم، وإيران تقف مجدداً عند ذات المنعطف الرهيب وتعيش اجواء تشييع مرشدها الثاني، تتقاطع خيوط التاريخ في عرض بانورامي مذهل. يرحل الخامنئي متوجاً بلقب "الشهيد" في الأدبيات الرسمية، ليعيد إلى الأذهان ذات الملحمة، لكن بظروف أشد عصفاً وتحدياً. إذا كان الامام الخميني قد قاد ثورة التأسيس وفكّ قيد البلاد من الهيمنة الغربية، فإن السيد الخامنئي خاض معارك التثبيت وبناء عناصر القوة الإقليمية والصمود في وجه أقسى حصار اقتصادي وعسكري عرفه العصر الحديث. الغرب اليوم يعيد نفس الخطيئة المعرفية، يترقب سقوط طهران مع غياب القائد، غافلاً عن أن هذه الدولة صُممت جيناتُها السياسية والدينية لتتغذى على الأزمات، ولتتحول دماء قادتها إلى وقود للاستمرار. إن هذا العشق العاصف الذي تتردد أصداؤه اليوم في شوارع إيران ليس مجرد طقس جنائزي، بل هو إعلان صمود وتحدٍ يمتد من عباءة الخميني إلى كفن الخامنئي، ليؤكد أن طهران لا تدفن قادتها بل تزرعهم في وجدان المنطقة، كعاصفة لا تهدأ، تعيد رصّ الصفوف ورسم موازين القوى في المشرق من جديد.
|