الخميس 2026/7/9 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 37.37 مئويـة
نيوز بار
الخوارزميات الإعلامية ودورها في نشر الأخبار الكاذبة خلال الأزمات السيبرانية
الخوارزميات الإعلامية ودورها في نشر الأخبار الكاذبة خلال الأزمات السيبرانية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. عصام البرّام
النـص :

أصبحت الخوارزميات الإعلامية في العصر الرقمي من أهم الأدوات التي تتحكم في تدفق المعلومات ووصولها إلى الجمهور، حيث تعتمد عليها منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث والمواقع الإخبارية في ترتيب المحتوى وعرضه وفقًا لاهتمامات المستخدمين وسلوكهم الرقمي. وقد أسهم هذا التطور في تسهيل الوصول إلى الأخبار والمعلومات بسرعة غير مسبوقة، إلا أنه في الوقت نفسه خلق تحديات كبيرة، خاصة خلال الأزمات السيبرانية التي تتسم بالغموض وسرعة تطور الأحداث. ففي مثل هذه الأزمات يزداد الطلب على المعلومات الفورية، ويصبح الجمهور أكثر عرضة لتصديق الأخبار غير الدقيقة أو المضللة، مما يمنح الأخبار الكاذبة فرصة واسعة للانتشار. وتلعب الخوارزميات الإعلامية دورًا محوريًا في هذه العملية، إذ قد تؤدي آلياتها المعتمدة على تعزيز التفاعل إلى نشر المحتوى المثير بغض النظر عن مدى صحته، وهو ما يجعلها عاملًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وإدارة الأزمات الرقمية.

 

طبيعة الخوارزميات الإعلامية وآليات عملها

 

تعتمد الخوارزميات الإعلامية على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتحديد المحتوى الأكثر احتمالًا لجذب انتباه المستخدمين. وتقوم هذه الأنظمة بتحليل عدد كبير من المؤشرات مثل عدد الإعجابات والتعليقات والمشاركات ومدة مشاهدة المحتوى، ثم تستخدم هذه البيانات لترتيب الأخبار والمنشورات وفقًا لمستوى التفاعل المتوقع. وتهدف هذه الآلية في الأساس إلى زيادة بقاء المستخدم داخل المنصة وتحسين تجربته الرقمية، إلا أن هذا الهدف التجاري قد يتعارض أحيانًا مع جودة المعلومات ودقتها.خلال الأزمات السيبرانية، مثل الهجمات الإلكترونية على المؤسسات الحكومية أو البنية التحتية الرقمية أو تسريب البيانات الحساسة، يصبح المحتوى المرتبط بالأزمة أكثر جذبًا للجمهور. وتستجيب الخوارزميات لهذا الاهتمام المتزايد من خلال توسيع انتشار الأخبار التي تحقق معدلات تفاعل مرتفعة، حتى وإن كانت تلك الأخبار غير مؤكدة أو مضللة. ونتيجة لذلك قد تنتشر الشائعات بسرعة تفوق سرعة نشر المعلومات الرسمية، الأمر الذي يخلق حالة من الارتباك والقلق بين الأفراد والمؤسسات.وتزداد خطورة هذا الأمر بسبب اعتماد الخوارزميات على التخصيص الشخصي للمحتوى، حيث يحصل كل مستخدم على أخبار تختلف عن غيره وفقًا لتفضيلاته السابقة. ويؤدي ذلك إلى تكوين ما يعرف بفقاعات المعلومات، إذ يتعرض المستخدم بشكل متكرر للمحتوى الذي يتفق مع آرائه ومعتقداته، بينما تقل فرص اطلاعه على وجهات النظر الأخرى أو المعلومات التصحيحية. وفي ظل الأزمات السيبرانية يمكن أن تسهم هذه الظاهرة في تعزيز الأخبار الكاذبة وإضعاف قدرة الأفراد على التحقق من المصادر المختلفة.

 

دور الخوارزميات في تسريع انتشار الأخبار الكاذبة أثناء الأزمات السيبرانية

 

تتميز الأخبار الكاذبة غالبًا بعناوين مثيرة وصياغة عاطفية تهدف إلى جذب الانتباه وإثارة الخوف أو الغضب أو الدهشة، وهي عناصر تتوافق مع المعايير التي تعتمد عليها الخوارزميات في قياس التفاعل. ولذلك فإن المحتوى المضلل قد يحصل على انتشار واسع خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة عندما يتعلق بأحداث طارئة تمس الأمن الرقمي أو الخدمات الأساسية أو البيانات الشخصية.وتظهر الدراسات أن المستخدمين يميلون إلى مشاركة الأخبار المثيرة قبل التحقق من صحتها، مدفوعين بالرغبة في تحذير الآخرين أو المشاركة في النقاش العام. وعندما تتكرر عمليات المشاركة والتفاعل، تعتبر الخوارزميات هذا المحتوى ذا أهمية عالية، فتقوم بإظهاره لعدد أكبر من المستخدمين، مما يؤدي إلى تضاعف انتشاره بصورة متسارعة. وهكذا تدخل الأخبار الكاذبة في دائرة انتشار يصعب السيطرة عليها، خصوصًا في الساعات الأولى من الأزمة.كما تستغل الجهات المعادية أو الجماعات المنظمة طبيعة الخوارزميات الإعلامية لنشر حملات تضليل ممنهجة، وذلك باستخدام الحسابات الوهمية أو الروبوتات الإلكترونية التي تعمل على إعادة نشر الأخبار الكاذبة بشكل مكثف. ويؤدي هذا النشاط إلى خلق انطباع زائف بأن الخبر يحظى بتأييد واسع أو أنه صادر عن مصادر متعددة، بينما يكون في الحقيقة جزءًا من حملة تضليل رقمية تستهدف التأثير في الرأي العام أو إضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية.وتتفاقم هذه المشكلة عندما تتأخر الجهات المختصة في إصدار البيانات الرسمية أو عندما تكون المعلومات الأولية غير مكتملة. ففي غياب المعلومات الموثوقة، يجد الجمهور نفسه أمام كم كبير من الأخبار المتداولة عبر المنصات الرقمية، ويصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والإشاعة. وتقوم الخوارزميات، دون قصد، بتوسيع نطاق هذه الأخبار بسبب اعتمادها على مؤشرات الانتشار والتفاعل بدلاً من التحقق من المصداقية.ولا يقتصر تأثير الأخبار الكاذبة على الجانب المعلوماتي فقط، بل يمتد إلى الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. فقد تؤدي الشائعات المتعلقة بالاختراقات الإلكترونية إلى إثارة الذعر بين المستخدمين، أو دفعهم إلى اتخاذ قرارات خاطئة مثل حذف بيانات مهمة أو الامتناع عن استخدام خدمات إلكترونية آمنة. كما قد تؤثر في سمعة المؤسسات والشركات، وتؤدي إلى خسائر مالية نتيجة انخفاض ثقة العملاء أو المستثمرين.

 

سبل الحد من تأثير الخوارزميات في نشر المعلومات المضللة

 

تتطلب مواجهة الأخبار الكاذبة خلال الأزمات السيبرانية تبني مجموعة من الإجراءات التقنية والتنظيمية والتوعوية. فمن الناحية التقنية، ينبغي تطوير الخوارزميات بحيث لا تعتمد فقط على معدلات التفاعل، وإنما تراعي أيضًا مؤشرات الموثوقية وجودة المصادر. ويمكن تحقيق ذلك من خلال دمج أنظمة التحقق الآلي من الأخبار والاستفادة من قواعد البيانات الخاصة بالمؤسسات الإعلامية الموثوقة وهيئات التحقق المستقلة.كما تتحمل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية كبيرة في الحد من انتشار المعلومات المضللة، وذلك عبر تقليل وصول المحتوى الذي يثبت عدم صحته، وإضافة إشعارات توضح أن الخبر محل تدقيق أو أن المعلومات الواردة فيه غير مؤكدة. ويمكن كذلك تعزيز الشفافية من خلال توضيح أسباب ظهور المحتوى للمستخدمين وكيفية عمل الخوارزميات بصورة مبسطة، بما يساعد على زيادة الوعي الرقمي لدى الجمهور.ومن جانب آخر، يمثل الإعلام المهني أحد أهم أدوات التصدي للأخبار الكاذبة، إذ يسهم في تقديم معلومات دقيقة وسريعة تعتمد على مصادر رسمية وموثوقة. كما يجب على المؤسسات الحكومية تطوير استراتيجيات اتصال فعالة تضمن سرعة إصدار البيانات أثناء الأزمات، لأن التأخر في نشر المعلومات الصحيحة يترك فراغًا تستغله الشائعات بسهولة.ويعد رفع مستوى الثقافة الإعلامية والرقمية لدى الأفراد من الركائز الأساسية لمواجهة التضليل الإلكتروني. فالمستخدم الواعي يكون أكثر قدرة على التحقق من مصادر الأخبار، والتمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى المضلل، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو الرسائل مجهولة المصدر. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إدراج برامج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية، وتنظيم حملات توعوية مستمرة تستهدف مختلف فئات المجتمع.وفي الوقت نفسه، أصبح التعاون الدولي ضرورة ملحة لمواجهة حملات التضليل المرتبطة بالأزمات السيبرانية، نظرًا لأن الفضاء الرقمي يتجاوز الحدود الجغرافية. ويتطلب ذلك تبادل المعلومات والخبرات بين الدول، وتعزيز التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات البحثية لتطوير أدوات أكثر كفاءة في كشف الحسابات الوهمية وحملات التلاعب المنسقة.لذا، تمثل الخوارزميات الإعلامية عنصرًا أساسيًا في البيئة الرقمية الحديثة، حيث أسهمت في تسهيل الوصول إلى المعلومات وتعزيز سرعة تداولها، إلا أن اعتمادها الكبير على مؤشرات التفاعل جعلها أحيانًا وسيلة غير مباشرة لتسريع انتشار الأخبار الكاذبة، خاصة خلال الأزمات السيبرانية التي تتسم بالحساسية والغموض. ويؤدي هذا الانتشار إلى آثار سلبية تمتد إلى الأمن المعلوماتي والاستقرار المجتمعي والثقة بالمؤسسات. ومن ثم فإن الحد من هذه الظاهرة يتطلب توازنًا بين التطور التقني والمسؤولية الأخلاقية، إلى جانب تطوير الخوارزميات، وتعزيز دور الإعلام المهني، ونشر الوعي الرقمي بين المستخدمين، بما يضمن بناء بيئة إعلامية أكثر موثوقية وقدرة على مواجهة التحديات المتزايدة في العصر الرقمي.

المشـاهدات 62   تاريخ الإضافـة 08/07/2026   رقم المحتوى 72067
أضف تقييـم