الإثنين 2026/7/13 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 46.52 مئويـة
نيوز بار
سرية التحقيقات القضائية بين حرية الإعلام والحق الدستوري في الخصوصية
سرية التحقيقات القضائية بين حرية الإعلام والحق الدستوري في الخصوصية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب علي كامل رسول الطائي
النـص :

تمثل حرية الصحافة والإعلام إحدى الركائز الأساسية للنظام الديمقراطي، وقد كفلها الدستور العراقي بوصفها وسيلة لتمكين المجتمع من الاطلاع على الشأن العام وممارسة الرقابة على أداء السلطات. غير أن هذه الحرية، شأنها شأن سائر الحقوق الدستورية، ليست مطلقة، وإنما تمارس في إطار القانون وبما لا يتعارض مع حقوق الآخرين أو النظام العام والآداب العامة.ومن أبرز الحقوق التي تحظى بحماية دستورية الحق في الخصوصية، وهو حق يمتد أثره إلى جميع مراحل الدعوى الجزائية، ولا سيما مرحلة التحقيق الابتدائي التي أحاطها المشرع العراقي بسرية خاصة، إدراكا منه لما يترتب على كشف تفاصيلها من أضرار تمس الفرد والمجتمع وسلامة العدالة.إن تجريم إفشاء أسرار التحقيق لم يأتِ عبثا،  فالمشرع العراقي لا يقرر عقوبة إلا لحماية مصلحة جديرة بالرعاية. وفي هذا السياق، جاءت النصوص القانونية لتصون مصلحة التحقيق، وتحمي حقوق الأفراد وسمعتهم، وتعزز ثقة المجتمع بالقضاء، انطلاقا من أن كتمان الأسرار الوظيفية والمهنية يمثل واجبا قانونيا وأخلاقيا يفرضه مبدأ الشرف والنزاهة في العلاقات الاجتماعية والمهنية.ولذلك، فإن الإعلامي أو الصحفي الذي يسعى إلى نشر معلومات أو وثائق أو أخبار سرية تتعلق بإجراءات القضاء أو التحقيقات الجارية، ولا سيما في ملفات مكافحة الفساد، قد يعرض نفسه للمساءلة القانونية متى كان النشر مخالفا للقانون أو من شأنه التأثير في سير العدالة أو إفشاء أسرار التحقيق أو الإضرار بحقوق أطراف الدعوى. فحق المجتمع في المعرفة لا يبيح انتهاك الضمانات القانونية التي تحكم سير العدالة، ولا يجوز أن يتحول السبق الصحفي إلى وسيلة للتأثير في الإجراءات القضائية.وقد أكد المشرع العراقي هذا المبدأ في المادة (88) من قانون الإثبات، التي حظرت على الموظفين والمكلفين بخدمة عامة إفشاء ما يصل إلى علمهم من معلومات لم تنشر بالطريق القانوني ولم تأذن الجهة المختصة بإذاعتها، حتى بعد انتهاء خدمتهم، مع جواز الإذن بالإفصاح عنها في الحالات التي يقررها القانون أو بناء على طلب المحكمة.وتعد سرية التحقيق الابتدائي من المبادئ المستقرة في أغلب التشريعات الحديثة، لأنها تحقق غايتين أساسيتين؛ الأولى حماية الفرد من التشهير والإشاعات التي قد تدمر حياته الاجتماعية والمهنية قبل صدور حكم قضائي بات، والثانية تمكين سلطات التحقيق من أداء عملها بحرية واستقلال، بعيدا عن الضغوط الإعلامية أو محاولات التأثير في الأدلة أو الشهود أو الرأي العام.وتزداد أهمية هذا المبدأ في عصر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت المعلومات تنتشر خلال ثوانٍ، وأصبحت الحسابات الوهمية والصفحات المزيفة تنشر أحيانا وثائق أو معلومات غير معلنة، أو تجري مقابلات مع متهمين أو شهود، بما قد يؤثر في سير التحقيق ويقوض قرينة البراءة، ويحول التحقيقات القضائية إلى مادة للتداول الإعلامي قبل أن تقول المحكمة كلمتها الفصل.ولم يحصر المشرع العراقي الأشخاص الملزمين بالمحافظة على سرية التحقيق، وإنما جعل معيار الالتزام هو الاتصال بالتحقيق بحكم الوظيفة أو المهنة. ويشمل ذلك القاضي، وعضو الادعاء العام، والمحقق، وضابط التحقيق، والخبير، والطبيب، والمحامي، والمترجم، والباحث الاجتماعي، والشهود، وكل من يطلع على معلومات التحقيق بسبب عمله أو وظيفته. وقد عالج قانون العقوبات العراقي هذا الالتزام، ولا سيما في المادتين (236) و(437)، كما أكد قانون المحاماة في المادة (46) واجب المحامي في المحافظة على الأسرار التي يطلع عليها بسبب مهنته.ولا يقتصر خطر إفشاء أسرار التحقيق على انتهاك حقوق المتهم أو المجني عليه، بل يمتد إلى إضعاف ثقة المجتمع بالقضاء، وإرباك إجراءات التحقيق، وربما تمكين بعض المتهمين من طمس الأدلة أو التأثير في الشهود أو تعطيل الوصول إلى الحقيقة، وهو ما يجعل سرية التحقيق ضمانة لحماية العدالة ذاتها، وليس امتيازا  لأحد أطراف الدعوى.ومن هنا، فإن نشر التحقيقات أو وثائقها أو تفاصيلها عبر الصحف أو القنوات الفضائية أو مواقع التواصل الاجتماعي قبل إعلانها رسميا ينبغي أن يخضع لضوابط قانونية صارمة، مع ضرورة تطوير الإطار التشريعي لتنظيم النشر الإلكتروني، وملاحقة أصحاب الحسابات الوهمية والصفحات المزيفة التي تتعمد تسريب أو نشر معلومات التحقيق بالمخالفة للقانون، لما لذلك من آثار خطيرة على الأمن القانوني واستقلال القضاء.إن الأصل الدستوري الذي لا يجوز الحياد عنه هو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بمحاكمة عادلة، وأن الفصل في الاتهام هو اختصاص القضاء وحده، وليس وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي. فالمعركة الحقيقية ضد الفساد لا تتحقق بتسريب أوراق التحقيق أو محاكمة الأشخاص إعلاميا ، وإنما بتمكين القضاء من أداء رسالته باستقلال وحياد، واحترام سرية التحقيقات حتى تكتمل إجراءاتها وفقا للقانون.إن احترام سرية التحقيق ليس تقييدا لحرية الإعلام، بل هو تنظيم لها بما يحقق التوازن بين حق المجتمع في المعرفة، وحق الأفراد في الخصوصية، وضمان حسن سير العدالة. فحين تُصان سرية التحقيق، تُصان معها هيبة القضاء، الذي هو جزء من هيبة الدولة، وتُحمى قرينة البراءة، ويترسخ الإيمان بأن العدالة لا تُصنع في وسائل الإعلام، وأنما داخل قاعات المحاكم.

المشـاهدات 34   تاريخ الإضافـة 13/07/2026   رقم المحتوى 72156
أضف تقييـم