الأديبات العراقيات والرمز الحسيني: تجليات الثورة والحزن![]() |
| الأديبات العراقيات والرمز الحسيني: تجليات الثورة والحزن |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص : الدكتور صالح الطائي
إن الرمز الحسيني ليس مجرد حدث تاريخي، بقدر ما هو محرك وجداني وقيمة إنسانية كبرى تجلت في الأدب العراقي، ولاسيما في منجز المرأة الأديبة التي قاربت هذا الرمز بأبعاد تجمع بين الأمومة والثورة والحزن الشفيف والبحث عن العدالة. والسبب في ذلك أن الرمز الحسيني يشكل في الأدب العراقي ظاهرة إبداعية فريدة تجاوزت الإطار العقدي الضيق وتحولت إلى شيفرة كونية للثورة على الظلم، والانتصار للقيم الإنسانية العليا. وإذا كان الأديب العراقي قد استلهم هذا الرمز في منجزه على مدى عقود، فإن الأديبة العراقية الشاعرة والروائية والناقدة أضفت على هذا الرمز أبعادا وجدانية بالغة الخصوصية، إذ تلاقى في وعيها جرحان عميقان أحدهما: جرح كربلاء التاريخي الممتد عبر التاريخ الإسلامي، والآخر: جرح الواقع العراقي المعاصر بما فيه من مكابدة وحروب وفقد وظلم وترويع. من هنا لم يكن الرمز الحسيني في كتابات المرأة العراقية مجرد استدعاء للمظلومية بقدر ما كان أداة للدعوة إلى المقاومة وشعارا لترجمة قيم الحرية والرفض وإعادة قراءة التاريخ بروح العصر. ومن أبرز ملامح تعامل الأديبة العراقية مع الرمز الحسيني هو تركيزها على الجوانب الإنسانية والعاطفية اللصيقة بالحدث الكربلائي. فالمرأة الكاتبة بفضل تكوينها السيكولوجي والوجداني تنظر إلى التضحية الحسينية من زاوية الأمومة والفجيعة الإنسانية. حيث تتجلى شخصية السيدة زينب (عليها السلام) أو السيدة أم البنين (رضوان الله عليها) كرموز موازية ومكملة للرمز الحسيني. وهذا يعني أن الشاعرة العراقية حينما تبكي الحسين (عليه السلام)، فإنها تبكيه بقلب الأم التي فقدت أولادها في الحروب والمحن التي مر بها العراق. أما الدموع الغزيرة التي تسكبها فهي ليست دموع استسلام أو هزيمة أو مجرد شعور بالمظلومية، وإنما هي طاقة شحن عاطفي تترجم الحزن موقفا رساليا. من هنا نرى أن الحسين (عليه السلام) يتحول في العمل الأدبي النسوي العراقي من رمز للرثاء التاريخي إلى رمز لكل ابن أو زوج أو أخ ذهب ضحية الظلم مغدورا على أيدي المجرمين الإرهابيين أو شهيدا من أجل المبدأ وحماية العقيدة. تجدر الإشارة هنا إلى أن الأديبة العراقية الزوجة والبنت والأخت والأم لم تقف عند حدود البكائيات لأنها تعتبر الوقوف عندها مكمل للهزيمة، فهي بعقيدتها وبيقينها وباقتدائها بالرموز العاشورائية الخالدة نجحت في توظيف الرمز الحسيني توظيفا سياسيا واجتماعيا واعيا. ففي فترات القمع السياسي وغياب حرية التعبير، كان الحسين (عليه السلام) وكانت كربلاء الفداء هما القناع الفني الأنسب الذي تلجأ إليه الشاعرة أو الروائية لتعلن رفضها للسلطة الجائرة دون السقوط في فخ الرقابة المباشرة والتعرض للملاحقة. فضلا عن ذلك أدركت الأديبات العراقيات من جيل الرواد كنازك الملائكة وصولا إلى الأصوات المعاصرة أن الرمز الحسيني يحمل دلالة (الخروج) على الفساد. فالقصيدة أو النص النثري النسوي نجح في إجراء عمليات إسقاط توضيحي من خلال إسقاط نمط الطغاة التاريخيين على طغاة الحاضر وجعل صرخة الحسين (عليه السلام): "هيهات منا الذلة" محركا للوعي الجمعي ودعوة للثورة والوقوف بوجه الظلم الاجتماعي والسياسي. وإذا ما كانت الشاعرة تميل بطبيعتها إلى تكثيف الرمز عاطفيا فإن الروائية والقاصة والساردة العراقية منحت الرمز الحسيني بعدا ملحميا وواقعيا في آن واحد. ففي السرد النسوي العراقي، تظهر الطقوس الحسينية كبنية دلالية محركة للأحداث. وقد استخدمت الأديبات هذه الأجواء في الرواية والقصة النسوية لتصوير التحولات النفسية للشخصيات، أو لربط المصير الفردي بالمصير المأساوي للأمة. ولذا نجد أن المشهد الحسيني في الرواية النسوية العراقية تنعكس عليه انكسارات المجتمع العراقي وآماله بالخلاص، حيث يمثل الحسين (عليه السلام) المخلص أو المثال الأخلاقي الذي تفتقده الشخصيات في واقعها المأزوم. ومن شمولية حضور الرمز الكربلائي نرى أنه لم يقتصر على الإبداع الشعري والسردي وحدهما، فامتد إلى الفكر والنقد الأدبي. فالأديبة الناقدة والأكاديمية العراقية قدمتا قراءات تفكيكية واعية لكيفية تحول الرمز الحسيني من بعده الطقسي الوعظي إلى بعده الأسطوري والإنساني الشامل. وقد أسهمت الناقدات العراقيات في بيان أن الحسين (عليه السلام) في الأدب الحديث ليس مُلكا لطائفة ولا لفئة وإنما هو إرث إنساني يشبه أساطير تموز وأدونيس في انبعاثه وتجدده عبر التضحية. ومن خلال الدراسات النقدية، فككت الأديبة العراقية آليات اشتغال هذا الرمز، مبيّنة كيف يُسهم في إثراء لغة النص الفنية، وتوسيع آفاقه الدلالية ليتسع لأسئلة الوجود والحرية والعدالة المطلقة. وبشكل عام نجحت الأديبة العراقية وبامتياز في صهر الرمز الحسيني ببوتقة التجربة الإنسانية العامة. فلم يعد الحسين (عليه السلام) في نصوصها محصورا في جغرافية الطف، وإنما غدا رمزا لكل الأحرار في العالم. ولذا نراه قد تقاطع في كتابات المرأة مع رموز التحرر العالمي مثل غاندي وجيفارا ومانديلا ليؤكد فكرة أن الدم ينتصر على السيف دائما ولاسيما حينما يكون دم صاحب قضية عادلة. وهذا التحول من المحلّي الوجداني إلى الكوني الإنساني جعل الأدب النسوي العراقي يقدّم القضية الحسينية برؤية حداثية ناضجة وقادرة على مخاطبة الآخر أيا كانت خلفيته الثقافية والدينية. من هنا أرى أن علاقة الأديبة العراقية بالرمز الحسيني هي علاقة عضوية نابعة من معايشة حقيقية للألم العراقي ومن توق دائم للانعتاق. فالرمز الحسيني لم يكن مجرد حلية أسلوبية ولا استعارة عابرة بقدر ما كان وما زال عصب التجربة الإبداعية. فمن خلال الحسين (عليه السلام) استطاعت المرأة الأديبة في العراق أن تكتب ذاتها وتوثق عذابات وطنها وتعلن انحيازها الأبدي لقيم الخير والحق والجمال والحرية، مما جعل منجزها الإبداعي حلقة وصل فريدة بين تضحيات الماضي وصمود الحاضر.
|
| المشـاهدات 23 تاريخ الإضافـة 21/07/2026 رقم المحتوى 72527 |
توقيـت بغداد









